تجرّدتُ اليوم من كل معارفي. لن أستمع إلى صوت التفكير بل إلى صدى التشتت؛ لن أكون مرشدة المنطق العاقلة، بل المصغية البارعة لهلوسات الجنون.
*مرحباً بك في ليلتي……*
حدث هذا بينما كنتُ أسير في ذات الممر الرتيب، حين خرج من سماعتي المتدلية على كتفي نبضٌ غريب، إيقاعٌ لا يشبه نبض قلوبنا. وفجأة، اهتز جرس الطوارئ في جيب معطفي بموجاتٍ خفية لا تسمعها آذان البشر. حتماً، الحادث اليوم مختلفٌ وفريد من نوعه. أركض مسرعة، ولم أستغرب حين رأيت الطاقم الطبي قد تحنّط من الصدمة. ألم أخبركم؟ الصداع الذي داهمني الصباح، رغم احتساء قهوتي السوداء المرّة، لم يكن من فراغ.
حادثٌ مروع حصل لحافلةٍ محملة بالمشاعر، تدهورت على طريق “الإحساس الأيسر” بجانب “تلة النبض”. لن أرتدي الأبيض اليوم لقياس نبض إنسان بل لانتشال الوجع من جذور الكلمات؛ فالأبيض باهتٌ جداً أمام نزيف القرمزي السائل من أرواحهم. دبت الفوضى في الممرات، لكنها من نوع آخر، فهناك غصة ضحكاتٍ مبتورة تتطاير أشلاؤها في الممر، وعلى مقربة منه اختناق بكاءٍ تجمد فور خروجه على هيئة بلورات حادة تخدش الجدران. كان الحادث بشعاً فقد اصطدمت الحافلة فجأة بجدار الواقع المرير.
بدأتُ فرز الحالات؛ النزيف الحاد في “الأمل” كان شاحباً يترجم شعور الفقد بنزيفه، واليأس يسحبه كخيط رفيع ليبتر آخر شعاع للضوء في داخله. لم أحتج إلى شاش أو خيوط جراحية، حقنته بجرعة مكثفة من “النسيان” مباشرة في شريانه التاجي، ثم أغلقت صمامه الأبهر لمنع تسلل الخيبة إلى دمائه، ووضعت على جرحه المثقوب مرهماً ينزع قيح الأمل الساذج، ليكون طبقة من كبرياء متماسك. التفتُّ للقادم: انتبهوا لا تحاولوا تحريكه، أظن أن لديه كسوراً بليغة؛ كسر حاد في عمود الثقة الفقري. كان على المحفة يترجم شعور السقوط من علو شاهق بعد أن وضع ثقله، والأصعب شعور الطمأنينة على جدار هش، وأنينه يفسر الانكسار المغلف بالدهشة. ارتديتُ قفازات الصبر، لم أكن طبيبة بقدر ما كنت حدادة أجمع القطع المكسورة قطعةً قطعة، لن أحاول عبثاً إلصاقها حتى لا تترك ندوباً تكون وقوداً للألم في كل ثانية، بل صهرتها بنار “اللامبالاة” الحارقة، وصنعتها من جديد على شكل درعٍ معدني، لا يكسره خذلان قادم.
وصلت الحالة الأخيرة، كان الممرض يخبرني بأنها حالة غيبوبة؛ سكتة فجائية لـ “الحنين”. كان الازرقاق يفسر حجم المقاومة وكيف أن الجاثوم يرقد على حنجرته يشد على عنقه بكف الذكرى الموجعة ليخرجه عن نطاق الوعي. أحضرتُ جهاز الصدمات الكهربائية، لكنني لم أشحنه بالفولتات، بل شحنته بـ “التجاوز”. وضعتُ الموصلات على صدر الشوق، وصعقته بأصوات الشوارع الحية وصراخ الباعة، وضجيج المقاهي الحالية، باختصار أعطيته الحياة ليشهق بقوة دون عودة للماضي.
استدرتُ نحو طاقمي الذي ما زال غير مستوعب، قرأت التساؤل في أعينهم؛ مستغربين من أنا، كيف أتحول هكذا. يراقبون أصابعي العارية الملطخة بحبر العواطف اللزج. مسحتُ جبهتي المثقلة بصداع الصباح ونظرت إلى ساعتي، مر الوقت مثقلاً. أغلقتُ أبواب الطوارئ بوجه العالم الخارجي، عدت لمكتبي فالليل أوشك على الانتهاء. لم يكن حادثاً عابراً فالحافلة كانت ممتلئةً جداً وما زال هناك “الخوف”؛ المتسبب الرئيسي بالحادث والناجي الوحيد طليقاً. أعلم أنه مختبئ في مكان ما وعيونه الآن تكاد تخترق عنقي الذي أحاول تمرير أصابعي على فقراته لعلي أزيح عنه ثقل اليوم المرهق، أعلم أنه ينتظر الفرصة لينقض على مشرطي ليستأصل منه أمل البقاء.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية