دراسة : ا.د حمام محمد جامعة الجلفة..الجزائر
شوهد أحدهم في مكان ناءٍ، بعيدًا عن ضوضاء المدينة، إذ بأفعى تعترض طريقه قائلة: «هذا مرتعي، وأنت متطفل عليَّ بمجيئك هنا». قال: «أنا هارب من واقع أليم». قالت: «كيف؟». قال: «هنا أتنفس الهواء، وهناك، حيث كنت، الهواء يتنفسني، ضاق صدري، فأتيت». قالت: «صدقت». وبسرعة البرق، تبادل كلٌّ منهما موقعه، ومن يومها وهو يبكي لأنه فقد آدميته، وهي أخذت تعتلي المنابر لتخطب عن الغدر والخداع اللذين شرَّدا ضعيفي النفوس، وثوب الأفعى الذي ترتديه يكذِّب ما تقول، ومع هذا، فالناس تصفق بحرارة.
مقدمة
للأفعى ارتباطات معنوية بالغدر والمعجزة والبرهنة، كما ورد في قصة موسى مع السحرة، ولعل الكاتبة، د. ميسون حنا، قد مارست لعبة أسلوبية أمطرت لنا عدة زوايا نظر، تتعمق في سلوك الإنسان والحيوان، حيث إنها بيَّنت مشكلة المصدرية والمرجعية لما نسميه بالصفات الأخلاقية وغير الأخلاقية، وبقدر الاختزال القصصي المعتاد عليه في القص القصير، وضحت القاصة عقدة الأفعى والتحول، وهذا مقياس يدل على عقدة قديمة في الأدب الغربي: كيف تحول لوقيوس الى حمار بعد اخطأ دهم مفسه بمرهم الطائر فتحول الى حمار في القص القديم،لابوليوس في القرن الثاني الميلادي، وحتى ولو أن القاصة ربما لم تكن ملتفتة إلى هذا التجانح بين «الحمار » لأنطونيوس والتحول، فقضية التحول آلية مولدة للتناقض العادي والمثمر.وكل المؤشرات الواردة في عناصر تحرك الشخوص إنما تحركت في باب التناقض، وأعطت ثمرة أخلاقية جديدة نتيجة تعارض ضدين: الأفعى والإنسان، وبدمج السلوك لكل واحد منهما ظهر الإثمار.وفي عجالة، أردت أن أفتح زاوية للتناقض المثمر في قصة «االافعى»، فركزت على عتبات مبينة، منها:
• عتبة العنوان: «الأفعى»
يتحرك العنوان سيميائيًا أمام إشكالية ملفتة، إما أننا سنقرأ قصة تنتمي إلى زمن الفابيولات، مع إنطاق الحيوان وظهور دوره في جملة: «وبسرعة البرق، تبادل كلٌّ منهما موقعه»، يعني أن التحول هو بيت التناقض المؤدي إلى إقرار مبدأ الأخلاقية والمعرفة من الإنسان إلى الأفعى. وهو تجسيد لدور اغترابي مدين به الحيوان للإنسان، وبذا فإن التحول شكل ليس فقط الشكل، بل التصرفات والسلوك المرن والصلب المعتمد من قبل الإنسان.
والدراسات التاريخية لإنسان الحضارات الذي يسارع إلى البكاء عندما يتذكر شكله البريء الذي حباه به الله تعالى، حملت هذا التلون فالعنوان «الأفعى» دلالي رمزي وجودي يؤكد تواصل بعض الصفات الغدرية في الإنسان، وكأنه أفعى لا ترحم، بسم قاتل، وصار العكس أيضًا في وفاء الحيوان، مما سمعته من مدنيين عن وفاء الأفعى للإنسان.فالتشخيص هنا تشخيص أنثروبولوجي، إثنوغرافي، في إثباته للغدر والوفاء، بقدر ما ظهر العنوان صادمًا للأنثى؛ لأن معناها التأويلي يقود إلى المرأة وما لُصق بها في التاريخ.
وعندما أشرت إلى الدراسات التاريخية، كنت أستلهم التحول لهذا لم يجد الأدب القديم بدًّا من العودة إلى الأدب الهندي وما رواه بيدبا الحكيم، وما نقله برزويه الطبيب في سياق كليلة ودمنة…وفي هذا السياق، نجد أن علماء المسلمين تعاملوا مع الحكايات الحيوانية بوصفها مجالًا للحكمة والعبرة، وقد اشتهرت «كليلة ودمنة» في الثقافة العربية بما تحمله من حوار على ألسنة الحيوانات، وهو ما يجعل الحيوان مجالًا لإسقاط الصفات الإنسانية عليه.كما أن قصة موسى عليه السلام تقدم حضورًا آخر لصورة الحية والثعبان، قال تعالى: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾.وهنا لا يكون الثعبان رمزًا للغدر، وإنما يصبح جزءًا من المعجزة والبرهان، وهذا التعدد في الدلالة هو ما يجعل «الأفعى» عنوانًا صالحًا لفتح أكثر من مسار تأويلي.
• النص بين الجنوح والمفارقة
النص برمته، بعد تشخيص العنوان، يظهر لنا حوارات مسبقة عن الخير والشر، عن النفاق والأخلاق السامية، فالنص أراه مبعوثًا من وسطه في حديث متواصل عن تبادل أدوار بين حيوان وإنسان، لم نسمع عنها إلا في المرويات الشعبية القديمة.وهي جزئية غريبة، أن كل أدبائنا في الغرب والشرق يعودون إلى هذا التحول المجازي، رغم أنه لا يثبت حقيقة دائمة.
فالأفعى، ولو اعتلت ثوب طهارة ، تبقى أفعى بأنبابها أو بدونها، والإنسان يبقى إنسانًا يتخير في إنسانيته بسبب الأصداء الدينية لمشرب الأخلاق، وهي الحقيقة التي وجد عليها الكائن أن يستثمر تناقضاتها في مدارج الخير وسلوك طريق الصراط المستقيم.وفي النص هناك عقدة مجازية نقلت لنا الصراع الذاتي بين الرموز وأخلاقيات الإنسان، وهذا هو الخيار الأوحد الذي أوصلتنا به القاصة إلى ضرورة التمعن فيها، بإسقاط التصرفات التي أصبح يمارسها المتحولون في نظرها.
ولنعود إلى سؤال استراتيجي أنثروبولوجي مفاده: ماذا أرادت القاصة أن تقول أو تظهر في مناولة هذا التناقض المثمر؟أرى أنها أرادت أن تزيل وجه البراءة عن النفاق الاجتماعي وحقيقته، وأن الأفعى أصبحت إنسانًا وصارت تتحدث عن القيم وتمقت الغدر والخيانة، مما يؤكد غضب القاصة من شرذمة تتكلم في المثل وقد كانوا أفاعي.
ومن بين الإشكاليات الأخرى التي لمحت لها القاصة، تتعلق بالجمهور الذي يصفق للخطابات الكاذبة الأفعوية، فيكون جمهورًا نصفه منخدع ونصفه مخادع، تقوت عليه البرهانية، فأصبح منقادًا.وبالعودة إلى مقطع بكاء الإنسان على آدميته، نزعت الكاتبة إلى مقروئية جديدة هي الندم، أو افتعال البكاء؛ لأن البكاء في حالة التمظهر بالنفاق يصير كالواد الذي يعند فيه الخطأ، خاصة عندما يتعلق الأمر بحماية وإعلان الدفاع عن القيم.
عتبة الشخوص
من أساسيات القص القصير الاختصار في تسيير الحركة، والحركة يقوم بها الجمهور الذي تتعدد مظاهره واتجاهاته عندما يدخل عالم المجاز.وأظنني على صواب أن القاصة وظفت شخصًا متعدد النوايا، وأفعى لا تجيد معاناتها ولا حتى تمثيلها، وإنما أسقطت صفات عليها من كتب السابقين وحديث المتحدثين.لهذا لم يتوه القارئ في ارتقاب السيناريوهات؛ لأنه يظهر لهم من البداية أن المتحول سيندم، وأن الأفعى ستتعشى بالدم الآدمي، ولو رقصت أمام رقصة البوليرو .ومما أضافته الدكتورة القاصة، نتيجة مؤهلة، هي التي قوَّت التناقض وجعلته مثمرًا بقولها: «ومع هذا، الناس تصفق بحرارة».فالقارئ، باعتباره شخصًا كومبارس، يبقى ينتظر نهاية لم يفهمها إلا بشعور عادي تغذى منها في سيرته مع نظيره الإنسان، والمتعلق بالكذب والنفاق والمخادعة.
وهنا يصبح الجمهور نفسه جزءًا من حركة الشخوص، لأنه لا يكتفي بالمشاهدة، وإنما يشارك في صناعة المشهد بالتصفيق.وهذا المعنى يجد له صدى في التصور الفقهي والأخلاقي الذي يرفض تزكية القول إذا خالف العمل،
عتبة الجماليات
نص «الأفعى» بسردها نص يدخل في التناقض المثمر؛ لأنه استمد هويته من المفارقات العجائبية التي تزهر بالمتناقضات في حالة التحول والتحدث في مكارم الأخلاق من قبل حيوان مارس الخديعة منذ ولادة آدم عليه السلام، وهنا تتفوق الدلالة الأخلاقية على الحدث نفسه.ظهرت المفارقات التالية في قولها:
«هنا أتنفس الهواء وهناك حيث كنت الهواء يتنفسني».«يبكي لأنه فقد آدميته».«وثوب الأفعى الذي ترتديه يكذب ما تقول».«ومع هذا، الناس تصفق بحرارة
لن أتكلم عن الزمكانية؛ لأن القاصة احتفظت بالأمكنة وحتى الأزمنة، مما فتح النهاية على مصراعيها لتبقى مفتوحة للكشف في تعبيرات روائية قادمة، أو نجد لها مكانًا وزمنًا في قصص ستصل حتمًا إلى جمهورها التواق.
ومن هنا فإن جماليات النص لم تتأسس على كثرة الأحداث، وإنما على قدرة المفارقة على توليد المعنى، وهو جوهر ما أبحث عنه في «التناقض المثمر»: أن يكون التناقض داخل النص مولدًا لمعنى ثالث لا يظهر في أحد طرفيه منفردًا.فالإنسان والأفعى ضدان، لكن اجتماعهما في حالة التحول أنتج معنى ثالثًا؛ هو أن الأخلاق لا تسكن الجسد، ولا تسكن الشكل، وإنما تظهر في السلوك. وهنا يصبح التناقض مثمرًا؛ لأن كل طرف أخذ من الآخر شيئًا، ثم أعاد النص بناء العلاقة بينهما من جديد.
وفي النهاية، لا يبقى السؤال: من هو الإنسان ومن هي الأفعى؟ وإنما يصبح السؤال: من يمارس فعل الإنسان، ومن يمارس فعل الأفعى؟ وهذه، في تقديري، هي الثمرة الأخلاقية والجمالية التي أضافتها القاصة إلى هذا التحول العجائبي، وجعلت من «الأفعى» عتبة مفتوحة على الإنسان، لا على الحيوان فقط.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية