حين بادرتني بسؤال طريف:
«حدثنا عن تجربتك الشعرية؟»
تلفت يمينا وشمالا، ربما لم يكن السؤال موجها لي، لكن لا أحد سوانا.
قلت: ماذا؟
كررت السؤال، ولكن بطريقة أكثر عفوية.
حقيقة، لا أدري عما تتحدثين.
وتقول: حدثنا، بصيغة الجمع.
من معها؟ لا أدري!
كل ما في الأمر، قلت:
أنا رجل أبيع الأشياء المستخدمة.
أفرشها صباحا، وأنادي بأعلى صوتي ليتجمع البعض حول البسطة، يأخذون ما يجدونه مناسبا. وأكثر مبيعاتي هي الملابس الصوفية والقطنية، رغم حرارة الأجواء هنا، حتى اكتشفت متأخرا أن البعض يأخذها لأجل تنظيف ومسح الأواني الزجاجية.
وبعض آخر يدقق في التفاصيل، يدس أصابعه بين طيات الجيوب، لعله يحظى بعملة نقدية تركت هناك.
في المساء أجمع ما تبقى منها في شوال كبير، أركنها في مخزن استأجرته بثمن زهيد!
قالت: ومتى تكتب الشعر؟
أعدت عليها الإجابة، لكن بإضافة كلمة واحدة في مقدمة الكلام:
أنا شاعر أبيع، والتكملة فيما ورد أعلاه.
قالت: ما الرابط بين الأمرين؟
قلت:
قولي: ما الفرق بين الأمرين؟
أنا رجل بائع، أبيع الأشياء المستعملة،
وشاعر يكتب الأشياء المستعملة.
رمقتني بنظرة مستفزة، معبرة عن عدم قناعتها بالإجابة، لتردفني بسؤال مباغت:
ما هي طقوس الكتابة لديك؟
هنا أعدت عليها النظرة باستغراب واضح، مستذكرا قول نيتشه: «مت وأنت تكتب الشعر، أو حاول».
لأجيب:
ها أنا أمامك بلحمي وعظمي،
لم أمت بعد.
الحيرة بدأت واضحة على محياها، لتقول:
ما هي أمنيتك كشاعر؟
وبلا تردد أجبتها:
أن ألتقي يوما بشاعر..!
لتردفني بسؤال غريب بعض الشيء:
وأي الشعراء تعرف؟
هنا شعرت ببعض الامتعاض، لأسحب آخر أنفاس سيجارتي، لأقول لها:
دعك من الأموات، فأعدادهم أكبر من أن أحصيها. أحدثك عن هذا الشاعر الذي بقربي، له طريقته الخاصة في بيع الخضار. ينادي بصوت مبحوح، ويركز كثيرا على ذكر «الخس»، وأن له رأسا مدورة.
أما ذلك ذو الشعر الأبيض تماما، فيتفنن في الحديث عن الخواتم السحرية وقوة مفعولها في جلب الرزق والحبيب، لتدركي، وببساطة، أنه بلا رزق يذكر ولا ونيس.
أما تلك التي ترتدي السواد منذ عرفتها، فتتفنن بالمناداة على أسماكها النافقة، بدعوى أنها تلبط في إناء القصائد الفارغة.
وقبل أن تودعني، دسست في يدها هدية بسيطة، دونت على غلافها:
أفتق سراويل الليل بهمهمة الهاجس المترقب
منزو، ألف عباءة من الطين،
غزل نسيجها دمع أبى أن يرتمي، ناصلا سيف القطيعة بوصل لم يف الموعد،
ممرغ أنف الرياح زعبلة لم تزرد،
تكسرني شظايا الوخز، مرايا عند حدها وقف متجلد،
محض التذكر، لسع براغيث لجلد تروم الشحم،
دونها لحم مقدد.
أقايض حلما بدرفلة وهم عند حزام عارض أسود،
سارق لحبيبات النار من كوة جمرها المتوقد.
عند النقيضين أقف:
بسطة ثياب مهلهلة،
وبسطة ليس للشعر منها سوى الزحاف الأجرد.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية