التحليل النقدي لقصيدة “فضاء غريب” للشاعر شلال عنوز

علي البدر

نصّ احتجاجي كثيف الرمز، وأراه قصيدة اجتماعية سياسية بطابع استعاري حيث أنها ابتعدت عن تسميات الأشخاص والرموز ذات العلاقة، وتبنت مشهداً من والانحراف والفوضى والفساد وجعلت القارئ يربط العلاقات والمسميات أي ابتعدت عن المباشرة وهذا ما لاحظته في متابعتي لأدب هذا الشاعر المقتدر عند عكس همومه الخاصة او هموم الشعب عامة. قصيدة عميقة ومكثفة، تنتمي لشعر التفعيلة أو قصيدة النثر، وتعبّر عن حالة من الاغتراب، التيه، وضياع البوصلة الاجتماعية والسياسية. لقد وظّف الشاعر المقومات الفنية والبلاغية ببراعة فائقة ليخلق لوحة قاتمة تعكس واقعاً مشوهاً.
الشاعر شلال عنوز يحتج على واقع فقدت فيه القيادة البوصلة، حيث تصدر أصحاب الوجاهة والنفوذ والتدليس تصدروا المشهد، بينما الجمهور يصفق لهم” اهتزّ فيه المقود، انفرطت عربة الدليل”. وبديهي ان المقود يمثل القيادة المشتتة المضطربة التي فقدت اتجاه سيرها “«تبدّد صحو القافلة، ضلّت الطريق”. وبديهي ان تكون القافلة رمزاً للمجتمع أو الأمة “جراد الجشع يلتهم شجر الأمنيات”. جشع يتحول لقوة هدم تلتهم آمال الناس. “أفّاكون.. صنعتهم حواضن التدليس”، وهذ اتهام بوجود شبكة ومنظومة تنتج الكذب والتضليل ضمن فوضو وانفلات “منصّات البذخ و طواقم الهرج” الذين “تسلقوا منابر الوجاهة”.
صعود أشخاص لا يستند نفوذهم إلى الكفاءة أو المعرفة، بل إلى الاستعراض والوجاهة و”يتفاخرون بقتل الحقيقة”، حيث يصل الاحتجاج اقصى مدى عندما تصبح الحقيقة هي الضحية، و”والقطيع يصفّق مُنوّما”. انتقاد لا يقتصر على أصحاب القرار والمنابر بل الى الجهور الذي يصفق، ربما نتيجة التضليل أو التنويم أو فقدان الوعي النقدي.
وعند مناقشة الخصائص الفنية للقصيدة أرى ان اقوى ما فيها الجانب الاستعاري المتماسك كما بينا وبدا النص سياحة عجز قائدها للسيطرة على البوصلة حيث الخراب وفضاء من اليأس والاغتراب” القافلة، المقود، الطريق، التيه، الظلام، المتراس، المنفى والمقابر.”. النص إذن رحلة بلا نهاية إيجابية مادام القائد بلا بوصلة أو ربما وجه بوصلته نحو التيه، حيث جشع الجراد والتهامه شجر الامنيات وهناك من “يزفون الظلام في رئة المنفى”. وعندما “يمتهنون ذبح الغناء عند حافات المقابر”، فهذا يعني الإصرار على العبث وإشاعة الألم وقتل الفرحة وأيِّ لمحةٍ للمواساة.
ورغم أن القصيدة قوية في صورها، لكن كثافة الصور أحياناً تقترب من التراكم. فالشاعر ينتقل سريعاً من القافلة إلى الدخان والمداخن والسعار والجراد والمدن والمتاريس والمقابر والمنفى والصهاريج والبساتين. هذا يمنح النص طاقة انفعالية عالية، لكنه في بعض المواضع يجعل الصورة الجديدة تزاحم الصورة السابقة قبل أن يأخذ القارئ وقتاً كافياً لاستيعابها.
ولا بأس من الإشارة الى بعض المقومات الفنية للقصيدة ومحاولة ابراز الومض الإبداعي في مفاصلها وبصورة مختصرة حيث يبرز التشخيص او ما يعرف بالأنسة (Personification)كأداة أساسية لمنح الجمادات والأفكار المجردة قدرة على الفعل والحركة، مما عمّق الإحساس بالرعب والاضطراب فقد ” توسّدت أصقاع التيه “وشبهها الشاعر بإنسان ينام ويتوسّد، ولكن الوسادة هنا هي “أصقاع التيه” (أرض الضياع)، وهو تشخيص يجسد مأساة الاستسلام للضياع.
“صراخ يبتلع المداخل”. شخّص وأنسن “الصراخ” بـوحش مفترس “يبتلع المداخل” ، ليدل على شدة الفوضى الطاغية. كما ان الشاعر شخص “دخان تعرّى “بإنسان يتعرى، ليكشف عن قبح الواقع وظهور الحقائق المزعجة بلا غطاء. إضافة لتجسيد الاختناق المعنوي، عندما خنق الظلام “رئة المنفى” وهذا اختناق معنوي لافت وذكي.
ولعكس الخلل البنيوي في هذا الفراغ الغريب، بُنيت القصيدة على مفارقات Paradox”. صراخ يبتلع المداخل”: شخّص “الصراخ” بـوحش مفترس “يبتلع المداخل” ، ليدل على شدة الفوضى الطاغية. كما ان الشاعر شخص “دخان تعرّى “بإنسان يتعرى، ليكشف عن قبح الواقع وظهور الحقائق المزعجة بلا غطاء. إضافة لتجسيد الاختناق المعنوي، عندما خنق الظلام “رئة المنفى” وهذا اختناق معنوي لافت وذكي.
وعندما ينبهنا الشاعر شلال عنوز بوجود “أناس يرقصون في مساقط الجفاف”فإنه يركز على مفارقة سلوكية واضحة (Irony)فالرقص والفرح يرتبطان عادة بالمطر والخصب، أما الرقص في الجفاف فيدل على البلادة، أو العبثية، أو ربما الرقص المذبوح من الألم. واهم “يحتفلون بالصهاريج بعيداً عن بساتين النارنج، وهي” مفارقة مكانية؛ حيث يُحتفل بالماء المخزن (الصهاريج) في أماكن جافة ومقفرة، بدلاً من سقاية بساتين “النارنج” الحقيقية التي ترمز للأصل والجمال والهوية. وماذا يتبقى عندما يُتًوئِمُ الشاعرُ “الغناء” الذي هو رمز الحياة والبهجة مع “المقابر” التي هي رمز الموت سواء كان طبيعيا أو ذبحُا. ها هم يمتهنون ذبح الغناء عند حافات المقابر. مفارقة تقضي على الأمل وأي صفة للتفاؤل والأمان. تجمُّعٌ بين “الغناء” (رمز الحياة والبهجة) و”المقابر” (رمز الموت)، وذبح الغناء هنا هو قضاء على الأمل.
وعند دراسة نوع التشبيه فقد وجدت ان الشاعر قد استغني عن التشبيه التقليدي بأدوات التشبيه مثل “الكاف” وانما استعمل التشبيه البليغ والاستعارة Metaphor لدمج المعاني، كدمج “الجشع بالجراد” الذي يأكل الأخضر واليابس وتشبيه “الامنيات بالشجر المثمر” الذي يتعرض للالتهام. ولدينا أيضا تشبيه “سُعار الهزائم”: استعارة مكنية، شبّه “الهزائم” بمرض الكَلَب أو السُّعار الذي يصيب الكائنات والاغرب ان الشاعر جعل للبَلادة مشرطًا “مشرط البلادة” جرح الواقع.
ولابد من بيان دور الرمزية Symbolism حيث شحن الشاعر قصيدته بها متجاوزا المعنى اللفظي المباشر، ف”المِقوَد، عربة الدليل، القافلة”، رموز تدل على القيادة بينما البوصلة، والمجتمع وانفراط العربة واهتزاز المقود يرمزان إلى فقدان السيطرة وضياع القادة الحقيقيين. والقصد بالتأكيد الأفاكين الحمقى والانتهازيين الذين تسيدوا المشهد “تسلقوا منابر الوجاهة”، ومقابلهم المغيَّب الذي يصفق وهو منوَّم (“القطيع يصفّق مُنوّماً” في “مدن العتمة ” حيث غياب العدالة والانسداد السياسي والفكري.
القصيدة، نموذج متقدم لـ “شعرية الصدمة” أو “أدب المرآة السوداء”؛ فالشاعر لم يكتب بهدف الإمتاع الجمالي الرومانسي، بل كتب ليعري واقعًا مأزومًا بإيقاع التوجع. الألفاظ جاءت متسقة جداً مع الجو النفسي (ذاهل، انفرطت، تبدّد، ضلّت، تيه، آثم، نكوص، سعار، الوجع..)؛ فالأصوات اللغوية تخدم الفكرة اللامتناهية من السوداوية.
النهاية الصادمة والختام بعبارة “والقطيع يصفّق مُنوّماً”، وضع الإصبع على الجرح الحقيقي للقصيدة. فالأزمة ليست فقط في “الأفاكين” الذين تسلقوا المنابر، بل في “القطيع” المستسلم الذي يبارك جلاده، وهي ذروة المفارقة التراجيدية في النص في قصيدة ناجحة فنيّاً، استطاعت استخدام الأدوات البلاغية كأدوات تشريح للواقع وليس كزينة لغوية.
الشاعر شلال عنوز، تحياتي والورد اليك.
علي البدر

فضاء غريب

ذاهل بالضجيج
اهتزّ فيه المِقوَد
انفرطت عربة الدليل
تبدّد صحو القافلة
ضلّت الطريق
فتوسّدت أصقاع التيه
صراخ يبتلع المداخل
دويٌّ آثم
دخان تعرّى
عند بوابات النكوص
مداخن لم نألفها
تنفث.
سُعار الهزائم
والخيبات
تستبيح نقاوة المناخ
أناس يرقصون
في مساقط الجفاف
جراد الجشع
يلتهم شجر الأمنيات
مدن العتمة
تنوء بسابلة الحمقى
ولا ضوء نجاة
في متراس الوجع
أفّاكون..
صنعتهم حواضن التدليس
منصّات البذخ
طواقم الهرج
تسلقوا منابر الوجاهة…
بالشفعة
يمتهنون ذبح الغناء
عند حافات المقابر
يزقّون الظلام
في رئة المنفى
يتفاخرون بقتل الحقيقة
حفاةٌ…
يحملون مشرط البلادة
عند عتبات النص
يحتفلون بالصهاريج بعيدا
عن بساتين النارنج
يثرثرون..
والقطيع يصفّق مُنوّما

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
jojobetjojobet girişjojobet güncel girişavrupabetavrupabet girişavrupabet güncel girişsuperbetinsuperbetin girişsuperbetin güncel girişsüperbetinsüperbetin girişsüperbetin güncel girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis resmi girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis resmi girişmarsbahis girişklasbahisklasbahis girişklasbahis güncel girişbetsmovebetsmovebetsmovebetsmove girişbetsmovebetsmove girişbetsmovebetsmove girişbahsegelbahsegel girişbahsegel girişbahsegelbahsegelbahsegel girişbahsegelbahsegel girişbahsegelbahsegel girişbahsegelbahsegel girişkavbetkavbet girişkavbetkavbet girişkavbetkavbet girişkavbetkavbet girişkavbetkavbet girişkavbetkavbet girişbetpasbetpas girişbetpasbetpas girişbetpasbetpas girişbetpasbetpas girişbetpasbetpas girişbetpasbetpas girişklasbahisklasbahis girişklasbahisklasbahis girişklasbahisklasbahis girişmarsbahismarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişhiltonbethiltonbet girişhiltonbethiltonbet girişhiltonbethiltonbet girişhiltonbethiltonbet girişhiltonbethiltonbet girişhiltonbethiltonbet giriş