الذكريات المنقبة/بقلم:عبدالله ساتي

كان ذلك منذ سنوات مضت عندما كنت أجلس في مقعدي قرب نافذة عربة القطار المتجه من الإسكندرية إلى القاهرة وأنا أتأمل وجوه الناس على رصيف المحطة منهم من يحمل حقيبته ومعه أسرته ومنهم من ينادي على شخص ما لكي يسرع ومنهم من يقف ويدخن بهدوء .
إقترب ميعاد قيام القطار والمقعد الخالي الملاصق لمقعدي فصاحبه لم يأتي بعد وكنت أتمنى أن يكون رجلاً خفيف الرفقة قليل الكلام ومحترم.
أطلق القطار صافرة طويلة وبدأ يتحرك ببطٍ وفجأة ظهرت امرأة منقبة في أول عربة القطار تحمل حقيبة خفيفة على كتفها وهي تراجع أرقام مقاعد عربة القطار مسرعة كأنها تبحث عن رقم مقعدها حتى وصلت إلى المقعد الشاغر الملاصق لمقعدي فتأكدت بأنه مقعدها فوضعت حقيبتها على الرف المعد لذلك ثم جلست وهي تقول:
(لقد كاد القطار أن يفوتني لكن الحمدلله)
لم أعلق على حديثها ولكن لاحظت بأنهاةفجأة نظرت إلى وجهي وحدقت به كنت في البدء أظنها تنظر جهة النافذة كعادة الركاب حين يتحرك القطار ولكن طال الأمر فإلتفت إليها فوجدت أنها بالفعل تنظر إليَّ ثم قالت بلهجة سودانية: (كيف الحال ؟)
عرفت بأنها سودانية فرددت تحيتها:
(الحمدلله نعم الحال)
سكتُ بعدها فلم أكن أرغب في الحديث والثرثرة.
ولكن.. بدأت الثرثرة حين قالت لي:
(أنا سودانية)
قلت لها :
(واضح من لهجتك أنك سودانية)
نظرت إليَّ المرأة المنقبة مرة أخرى وأحسست بالدهشة في عينيها التي تبين من خلال نقابها لا أدري لماذا أما أنا فحقيقة أحسست بالضيق من نظراتها التي لم تفارق وجهي فإلتفت نحو النافذة أشاهد تلك المناظر التي يمر بها القطار مسرعاً ولا تزال المرأة تنظر إليا .
مالت المرأة في مقعدهاونحوي قليلاً فواصلت ثرثرتها:
(الرحلة طويلة للقاهرة إنها حوالي ساعتين ونصف ولكني سأنزل محطة طنطا حيث أقيم مع زوجي وإبني وبنتي )
سكتُ ولم أعلق أو أبدي أي إحساس بأني أرغب في الحديث ولكنها قالت لي وهي تضايقني بنظراتها التي لا أعرف معناها:
(هل يمكن أن ندردش؟)
أومأت لها برأسي بالموافقةةوأنا حقيقة غير راغب في ذلك.
باغتتني بسؤال لم اتوقعه:
(هل أنت متزوج ؟)
إلتفت نحوها بدهشة قائلاً بضيق :
(لا أنا غير متزوج ولا أرغب في ذلك ثم أرجوك أن تكِفي عن مثل هذه الأسئلة)
فتمتمت في نفسي:
(سؤال سخيف)
ثم عدلت في جلستي وملتُ ناحية نافذة القطار وعدت أنظر من خلالها وقد تملكني الضيق فأنا في الحقيقة أكره أن يناقشني أحد في أمر الزواج لأسباب إحتفظ بها في قرارة نفسي ولكني أحسست بالندم على ردي الجارح فأخذت نفساً عميقاً ثم إلتفت إليها معتذراً فهزت رأسها وضاقت عيناها من خلال النقاب كأنها كانت تبتسم ثم قالت:
(لا عليك أنا كنت أدردش معك فقط لا عليك ياأخي).
جاء عامل بوفيه القطار وهو يدفع عربة الطعام والمشروبات أمامه فأوقفته وطلبت منه ساندويتشات وزجاجتين مياه غازية لي ولها فشكرتني.
مالت نحوي المرأة السودانية المنقبة وهي تتناول جرعة من زجاجتها وهي تقول لي:
(العمر ينطلق بسرعة ياأخي مثل هذا القطار لذلك يجب أن نستثمر زمن وقوفه عند بعض المحطات قبل أن يصل لمحطته الأخيرة أقصد أن يجعل الإنسان لنفسه حياة أسرية وذرية تنفعه يسعد بها)
سكتت قليلاً ثم واصلت حديثها:
(أنا متزوجة وإبني الأكبر مهندس معماري في شركة كبيرة وشقيقته ستتخرج هذا العام من كلية الطب.)
لم أعلق على كلامها بل إلتزمت الصمت.
واصل القطار انطلاقه وإنتهيت من طعامي وشرابي ولكنها كانت لا زالت ممسكة بطعامها وشعرت وكأنها شاردة الذهن ثم سألتني قائلة:
( أخي لكنك لم تقل لماذا لم تتزوج؟)
ثم إستدركت بأني لا أحب الحديث عن أمر الزواج فسكتت قليلاً ولكنها واصلت قائلة:
( عفواً أخيوأنا فقط أدردش معك لا تؤاخذني)
تضايقت من ثرثرتها كثيراً فسكت ولكنها بدأت تنظر مرة أخرى لناحيتي بإهتمام شديد كأنها تلح في أن تسمع إجابتي فعزمت أن أجاوبها فمحطة طنطا التي ستحط بها قد إقتربت وبعدها سأرتاح من ثرثرتها فقلت لها بعد أن أخذت نفساً عميقاً:
(إنها قصة طويلة ياسيدتي فقد كنت على علاقة حب مع إحدى زميلاتي إسمها إحسان في إحدى الشركات في السودان وكنا على وشك الزواج ولكنها خانتني وغدرت بي وتزوجت زميلنا أيمن المصري الذي كان يعمل معنا في نفس الشركة بعدها عشت في حالة نفسية وإكتئاب شديد بسبب هذه الخائنة فإستقلت عن العمل ونزحت إلى أحد أقاليم السودان وعملت بها وانا الآن في زيارة للقاهرة وسأعود السودان.. هل إرتحت يا أستاذة)
سكتت المنقبة ولم تنطق بكلمة أخرى والقطار يواصل إنطلاقه ويطلق صافرته من حين إلى آخر حتى وصل القطار محطة طنطا قامت المنقبة وسحبت حقيبتها من رف الحقائب ثم جلست مرة أخرى في مقعدها ثم أخرجت جوالها و طلبت مني بلطفٍ رقم جوالي ترددتُ كثيراً ولكني أستجبتُ لطلبها وأمليتها رقم جوالي ثم ودعتني وأخذت حقيبتها وغادرت القطار مسرعة .

تحرك القطار من محطة طنطا وواصل إنطلاقه نحو محطة القاهرة وكنت أفكر في تلك المرأة السودانية المنقبة الغريبة ثم فجأة جاءتني رسالة بالواتساب من رقم غريب قرأتها بدهشة لأن محتواها كان مفاجأة لي قالت الرسالة :
(عزيزي قاسم ..لا تتعجب بأني خاطبتك بإسمك فأنا عرفتك منذ أنا جلستك بقربك في القطار.
أنا إحسان التي إدعيت بأنك كنت على علاقة بها وغدرت بك وتزوجت أيمن المصري .
تزوجت أيمن وهو كان لا يعلم قصة علاقتنا طلب يدي فوافقت. هل تدري لماذا وافقت لأنك لم تكن مهتم في أمر الزواج مني ولم تكن مخلصاً أيضاً في علاقتنا فأنت كنت تتودد لمديرة الشركة كبيرة السن طمعاً في مالها وفي منصب مرموق في الشركة وخدعتها بأنك تحبها وطلبت منها الزواج فوافقت المسكينة بل وتمتعت بكثير من أموالها ياقاسم ولكنها كشفت نفاقك وطردتك من الشركة حاولت ياقاسم أن تعود لعلاقتك بي لكنك وجدتني وقد ركبت قطار الزواج مع ايمن فقد علمت أنا مثل بقية موظفي الشركة بقصتك مع المديرة لذلك لم أسألك في حينها وصرفت عنك النظر وتزوجت أيمن المصري وركبت قطار الزواج ووصلت محطة سعادتي . دردشتي معك أوضحت لي بأنك لازلت تكذب وتنافق .)
قرأت الرسالة أكثر من مرة وعندما أفقتُ من غيبوبة دهشتي أمسكت بجوالي بيدين مرتعشتين لكي إتصل عليها وكنت لا أدري ماذا سأقول لها ولكنها كانت قد حظرت رقمي.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
marsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişbetsasbetsas girişbetsas güncel girişbetsasbetsas girişjojobetjojobet girişjojobet güncel girişavrupabetavrupabet girişavrupabet güncel girişbahsegelbahsegel girişbahsegelbahsegel girişmarsbahismarsbahis girişsuperbetinsuperbetin girişsuperbetin güncel girişmarsbahismarsbahis girişsüperbetinsüperbetin girişsüperbetin güncel girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahis güncel girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahis