من أحوال الجماعات اليهودية إلى المشروع الصهيوني
استضاف منزل الصحفي والكاتب سليم النجار الأمسية الثالثة بعنوان «اليهود في الدولة العثمانية»، ضمن «لقاءات الأحد الثقافية» التي تجمع عددًا من الأدباء والمثقفين الأردنيين في لقاءات شهرية. وقدّم للأمسية الشاعر رامي ياسين، وناقش المشاركون أحوال اليهود في الدولة العثمانية، والتحولات التي رافقت ظهور الصهيونية السياسية، وموقف السلطان عبد الحميد الثاني من الاستيطان في فلسطين، إلى جانب أسئلة قراءة التاريخ وعلاقته بفهم الحاضر.
واستعرض رامي ياسين أبرز محاور الكتاب موضوع الأمسية، بدءًا من لجوء اليهود إلى الأراضي العثمانية عقب اضطهادهم في أوروبا وطردهم من إسبانيا عام 1492، وما أتيح لهم من ممارسة شعائرهم والعمل في التجارة والطب والمال. وشدّد على أن استقبال اليهود بوصفهم سكانًا ورعايا يختلف عن الموافقة على مشروع سياسي يستهدف إقامة كيان مستقل في فلسطين. وتوقف عند انتقال الهجرة من مقصد ديني إلى مشروع سياسي واستيطاني يجمع الهجرة المنظمة وامتلاك الأرض وإنشاء المستوطنات والسعي إلى اعتراف سياسي، موضحًا أن القيود العثمانية لم تتحول إلى منع كامل، بفعل ضعف الإدارة والرشوة والوسطاء والامتيازات الأجنبية. وبيّن أن الكتاب يربط رفض عبد الحميد للمشروع الصهيوني بالسيادة وبقاء الدولة، ويرى في خلعه نقطة تحول في مسار الاستيطان والعلاقة العربية العثمانية. وفي قراءته النقدية، أشار ياسين إلى قيمة الكتاب في جمع موضوعات الهجرة والأرض والقرارات والدبلوماسية، مع ملاحظته انحيازه لعبد الحميد وضعف التمييز أحيانًا بين اليهودية والصهيونية والدونمة والماسونية، مؤكدًا أن وجود علاقات أو أفراد مشتركين لا يكفي وحده لإثبات مشروع موحد يفسّر الأحداث ونتائجها.
وتناولت شادية دعيبس جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية لليهود، مشيرة إلى دورهم المبكر في إدخال المطابع إلى الدولة العثمانية، وإلى أن أوضاعهم الاقتصادية تأثرت بما كانت تمر به الدولة نفسها. وتوقفت عند سياسة السلطان محمد الفاتح في تعزيز وجودهم، وما أتاحه نظام الملل من أمان وممارسة للشعائر الدينية وإدارة للشؤون الخاصة بالجماعات الدينية.
وطرح الدكتور محمد عبدالقادر سؤال أهمية البحث في هذا الموضوع اليوم، ومدى إسهامه في فهم واقع المنطقة ومستقبلها. ووصف الدولة العثمانية بأنها دولة براغماتية، ربطت ترحيبها باليهود بخبراتهم المالية والتجارية وتعاملهم مع القروض. وتناول دور الهدايا والتقرب من السلاطين في اكتساب النفوذ، وما اعتبره تمكينًا لليهود في عهد بايزيد في مجالات الإقامة والبيع والشراء، مشيرًا إلى وجودهم في صفد والقدس واتساع مؤسساتهم الدينية. كما طرح قراءة تربط نشاط جماعات الدونمة بدور في إضعاف الدولة العثمانية وسقوطها.
وربط محمد سرسك معاداة اليهود في أوروبا بخلفيات دينية، ولا سيما في التقليد الكاثوليكي، معتبرًا أن اللاسامية نشأت في السياق الأوروبي، ومتوقفًا عند أثر التحولات في الموقف الديني من اليهود على الخطاب الداعي إلى وطن قومي لهم في فلسطين. وميّز بين وجودهم جاليةً ضمن الدولة العثمانية وبين المشروع السياسي الذي حمله هرتزل، مؤكدًا أن السلطان عبد الحميد رفض المغريات المقدمة للموافقة عليه.
وأكد سليم النجار أن «الذي لا يقرأ التاريخ لا يعرف حاضره ولا مستقبله»، داعيًا إلى مساءلة المسلّمات التي تقوم عليها قراءة هذا التاريخ. وطرح سؤالًا حول أسباب التسليم بالروايات المتعلقة باضطهاد اليهود في أوروبا وتميزهم في التجارة والمال، وما تستند إليه هذه التصورات من مصادر وأدلة.
وأشار جهاد الرنتيسي إلى الاستقطاب الشرقي الغربي في قراءة التاريخ، وإلى حضور المراجع الاستشراقية في الكتابات التي تتناوله. ورأى أن العثمانيين كانوا أكثر تسامحًا مع الأعراق والإثنيات المختلفة قياسًا بالغرب آنذاك، وأن الحركة الصهيونية لم تجد أنصارًا لها في الإمبراطورية العثمانية، معتبرًا أن بقاء الدولة كان يمكن أن يحمي المنطقة من التفكيك.
ورأى أسيد الحوتري أن أهمية الموضوع تتصل بقراءته لاحتمال مواجهة مقبلة بين إسرائيل وتركيا. وتوقف عند الانتقال من مفهوم الأمة لدى العثمانيين إلى القومية التركية وسياسة التتريك مع حركة تركيا الفتاة والاتحاد والترقي، معتبرًا أن الاتحاديين أدّوا دورًا أساسيًا في دخول الدولة الحرب العالمية الأولى وأسهموا في سقوطها. كما تناول تباين الجماعات والانتماءات اليهودية، وعلاقتها بالتيارات السياسية والتنظيمات التي شهدتها المرحلة.
وأظهرت المداخلات اختلافًا في تفسير السياسات العثمانية وأسباب تراجع الدولة، وفي تقدير أدوار الجماعات والتيارات السياسية آنذاك. وبقي التمييز بين الوجود اليهودي والمشروع الصهيوني، وبين القرارات المركزية وتطبيقها الفعلي، من أبرز القضايا التي طرحها النقاش لفهم تحولات فلسطين في أواخر العهد العثماني.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية