تعرفُ موعدَ الرحيل،
لكنّها لا تُخبرُ أحدًا.
تتركُ للنافذةِ أن تفتحَ فمَها قليلًا،
وللضوءِ أن يتيمَّمَ وجهَ الغياب،
ثم تمضي…
كأنَّ الأشياءَ كلَّها
كانت تعرفُ منذ البداية
أنَّ الوداعَ ليس بابًا نغلقه،
بل شقٌّ صغيرٌ في جدارِ الروح
يتّسعُ كلما حاولنا النجاة.
سنلتقي…
لا لنتعانق،
بل لنرى كيف تستطيعُ عينانِ
أن تختصرا جنازةَ قلبٍ كاملة.
سنتركُ بيننا كلمةً أخيرة،
لا تُقال.
فالكلماتُ حين تبلغُ أقصى الحب
تخلعُ حروفَها
وتجلسُ صامتةً
على حافةِ المعنى.
هناك،
حيثُ لا أحدَ سوى امرأةٍ
تُشعلُ مصباحًا في آخرِ الأسطورة،
وتضعُ على مائدةِ الليل
رغيفًا من الضوء،
وكأسًا من ماءِ النسيان،
وتنتظرُ شغفًا صغيرًا
تاهَ ذاتَ قصيدة.
كانت تعزفُ…
وكان النايُ يعرفُ أكثرَ منا.
كلُّ نغمةٍ
كانت قبرًا يُفتح،
وكلُّ صمتٍ
كان ميتًا آخر
يحاولُ أن يتذكّرَ اسمه.
أما أنا،
فكنتُ أبحثُ عني
في عينيكِ.
لم أجدني.
وجدتُ شاعرًا
خلعَ جسده عند العتبة،
ومشى حافيًا
في ممرٍّ لا يؤدي إلى شيء،
إلا إلى فتاةٍ
كانت تشبهُ النجاة
حين تتخفّى في هيئةِ خطيئة.
كانت تسكنُ المقبرةَ المجاورةَ لقلبي،
لا لأن الموتَ جمعنا،
بل لأن الحياةَ
كانت أضيقَ من أن تتّسعَ لنا.
تربّي في قبرها
زهرةً لا تعرفُ الربيع،
وتعلّق على جدارِ الليل
ترنيمةً بلا اسم،
ثم تبتسم…
كأنَّ البراءةَ
ليست أن لا نخطئ،
بل أن نحبَّ
ولا نملكُ الشجاعةَ
لارتكابِ الوصال.
وفي آخرِ المساء،
حين تنامُ الشمسُ
فوق كتفِ الأفق،
تعودُ العازفةُ إلى صمتها،
وتطفئُ النغمةَ الأخيرة.
عندها فقط،
يفهمُ الذين يحرسونَ أبوابَ القصيدة
أنَّ بعضَ الغرام
لا يبدأُ باللقاء…
بل يبدأُ
حين يعجزُ اثنانِ عن الوصول،
فيصيرانِ ــ إلى الأبد ــ
أجملَ حكايةٍ
لم تحدث.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية