مصطفى سبيتي… شاعرٌ حمل الجنوب في قلبه، وجعل من اللغة بيتًا لا ينهدم
سيرة حياةٍ امتزج فيها الشعر بالفكر، والوجدان بالموقف، وانتهت برحيل الجسد وبقاء الكلمة.
ليس من السهل أن نكتب عن شاعرٍ عاش في حضرة اللغة، واتخذ من القصيدة مساحةً للتعبير عن الإنسان والوطن والتحوّلات التي عصفت ببلاده. فبعض الشعراء يتركون خلفهم دواوين، وبعضهم يتركون تجربةً فكرية وإنسانية تتجاوز حدود الكتب، لتصبح جزءًا من ذاكرة الثقافة والمجتمع. ومن هؤلاء الشاعر والأديب اللبناني مصطفى سبيتي، الذي رحل في أيلول عام 2026، تاركًا وراءه تجربةً أدبية ارتبطت بالجنوب اللبناني، وبالتراث العربي، وبحياةٍ لم تنفصل فيها الكلمة عن الموقف.
من كفرصير بدأت الحكاية
وُلد مصطفى سبيتي في بلدة كفرصير، في قضاء النبطية جنوب لبنان، ونشأ في بيئةٍ كان للغة والشعر فيها حضورٌ خاص. وقد بقي الجنوب جزءًا أصيلًا من هويته ووجدانه، لا مجرد مكانٍ وُلد فيه، بل ذاكرةً رافقته في كتاباته وتأملاته ومواقفه.
عاش سبيتي في مرحلةٍ لبنانية مثقلة بالتحوّلات الاجتماعية والسياسية والحروب، وشهد ما تركته هذه الأحداث من آثارٍ في الإنسان والمكان. وقد انعكست تلك التجارب في نظرته إلى الحياة، وفي اهتمامه بقضايا الناس، وفي ارتباطه بالأرض والذاكرة والهوية.
ولم تكن علاقته بالأدب علاقة شاعرٍ يكتفي بجمال الصورة والإيقاع، بل كانت علاقة باحثٍ يسعى إلى المعرفة، وقارئٍ يتعمّق في أسرار اللغة العربية، ومثقفٍ يرى في الكتابة وسيلةً لفهم العالم والتعبير عن قضاياه.
عائلته… امتدادٌ للكلمة والإبداع
كان مصطفى سبيتي أبًا لشخصيتين ارتبط اسماهما أيضًا بالأدب والإعلام: الشاعر فيديل سبيتي، والشاعرة والإعلامية لوركا سبيتي.
وفي هذه العائلة، لم تكن الكلمة مجرد وسيلة للتواصل، بل مساحةً للتعبير عن التجربة الإنسانية، ومجالًا تتقاطع فيه المشاعر والأفكار والذكريات. وقد كشفت المراثي التي كُتبت بعد رحيله عن جانبٍ عميق من علاقته بأبنائه؛ إذ لم يظهر الأب في كلماتهم بوصفه فردًا من العائلة فحسب، بل بوصفه رفيقًا في اللغة، ومعلّمًا، وشخصًا تتداخل معه ذكريات الحياة والأسئلة الفكرية.
ومن أكثر ما يلامس القلب في رثائه ما عبّرت عنه ابنته لوركا من دهشة الفقد، حين كتبت عن غيابه بلغةٍ تمزج الحزن بالشعر. كما حملت كلمات ابنه فيديل مشاعر الأبوة والصداقة معًا، في صورةٍ تختصر صعوبة وداع أبٍ كان أيضًا شريكًا في عالم الكتابة.
وهكذا، لم يقتصر إرث مصطفى سبيتي على مؤلفاته، بل امتد إلى أبنائه الذين حملوا بدورهم شغف الكلمة، كلٌّ في تجربته ومساره.
الشعر… فنٌّ وإتقانٌ ومعرفة
احتل الشعر مكانةً مركزية في حياة مصطفى سبيتي، وتميّزت تجربته بارتباطها الوثيق بالشعر العربي الكلاسيكي، ولا سيما القصيدة العمودية بما تقوم عليه من وزنٍ وقافيةٍ ودقةٍ لغوية.
كان شديد التعلّق بأبي الطيب المتنبي، شاعر الحكمة والكبرياء والتجربة الإنسانية، حتى ارتبط اسمه بلقب (حافظ المتنبي) في بعض الكتابات التي تناولت سيرته. ولم يكن هذا الاهتمام مجرد إعجابٍ بشاعرٍ كبير، بل تعبيرًا عن انشغاله باللغة العربية وطاقاتها، وعن رغبته في فهم أسرار البلاغة وبناء القصيدة.
وفي زمنٍ اتّسعت فيه أشكال الكتابة الشعرية الحديثة، حافظ سبيتي على صلته بالقصيدة الموزونة، من دون أن ينفصل عن قضايا عصره. فقد ظلّ الشعر عنده مجالًا للتعبير عن المشاعر والأسئلة والهموم الوطنية والإنسانية.
وتكشف تجربته أن الإبداع لا يقوم على الموهبة وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى القراءة العميقة، والمعرفة بالعروض والقافية، والصبر على صياغة المعنى واختيار المفردة. فالقصيدة لديه لم تكن كلماتٍ تُلقى كيفما اتفق، بل بناءً لغويًا يحتاج إلى عنايةٍ وإحكام.
مؤلفاته… شغفٌ باللغة والتراث
ترك مصطفى سبيتي مجموعةً من المؤلفات الشعرية والفكرية التي تعكس تنوّع اهتماماته، ومن أبرزها:
(براعم على حطب الخليل): من مجموعاته الشعرية التي تحيل في عنوانها إلى عالم الشعر والوزن العروضي.
(سَبَل القوافي): مجموعةٌ تؤكد حضوره في ميدان القصيدة العربية واهتمامه بإيقاعها.
(أرَج الروي): عملٌ يحمل في عنوانه صلةً واضحة بعالم القافية والنهايات الصوتية في الشعر.
(شرح ديوان أبي الطيب المتنبي): كتابٌ يكشف عمق اهتمامه بشاعرٍ شكّل أحد أبرز منابع شغفه باللغة والتراث.
(جذور المكيافيلية في كليلة ودمنة): دراسةٌ تتجاوز الشعر إلى القراءة الفكرية والنقدية للتراث.
وتدلّ هذه العناوين على أن سبيتي لم يحصر نفسه في جنسٍ أدبي واحد، بل تنقّل بين الشعر والبحث والدرس اللغوي. وقد جمع في تجربته بين شاعرٍ يصوغ المعنى بإيقاعه، وباحثٍ يتتبّع جذور الأفكار، وقارئٍ يعود إلى النصوص القديمة ليكتشف ما تحمله من دلالاتٍ متجدّدة.
كما كتب في موضوعاتٍ وطنية وإنسانية، وكان الجنوب وبيروت والذاكرة اللبنانية حاضرةً في رؤيته الشعرية. وفي قصيدته (لبيروت الثكلى)، ظهرت المدينة في صورة سفينةٍ مثقلة بالحزن، في تعبيرٍ عن علاقة الشاعر بمدينته وبالوطن الذي عاش أزماته وتحولاته.
من الشعر إلى الفكر والموقف
لا يمكن فصل تجربة مصطفى سبيتي عن السياق السياسي الذي عاش فيه. فقد عرف في شبابه الانتماء إلى منظمة العمل الشيوعي في لبنان، ثم اتخذ لاحقًا مواقف سياسية مختلفة، وأصبح من المدافعين عن سياسة حزب الله.
وقد عكست هذه التحولات جانبًا من سيرة جيلٍ لبناني عاش تغيراتٍ كبيرة في الأفكار والتحالفات والظروف الوطنية. ومن هنا، لا تبدو تجربته مجرد سيرة شاعرٍ يراقب الأحداث من بعيد، بل سيرة مثقفٍ تفاعل مع زمنه، وانخرط في أسئلته وصراعاته.
ومهما اختلفت الآراء حول مواقفه السياسية، تبقى قراءة نتاجه الأدبي مدخلًا ضروريًا لفهم تجربته كاملةً، بعيدًا عن اختزالها في موقفٍ واحد أو مرحلةٍ بعينها.
فالشاعر، في نهاية المطاف، أوسع من عنوانٍ سياسي، وأغنى من أن تُختصر حياته في رأيٍ أو انتماء. وتظلّ أعماله المجال الذي يستطيع القارئ من خلاله أن يتعرّف إلى لغته وصوره وأسئلته ومكانه في المشهد الثقافي اللبناني.
رحيله… حين خسر البيت وبقي بيت القصيدة
في التاسع عشر من أيلول عام 2026، غيّب الموت مصطفى سبيتي عن عمرٍ ناهز أربعةً وسبعين عامًا، بعد صراعٍ مع المرض، تاركًا حزنًا في عائلته وبين محبيه والوسط الثقافي اللبناني.
وكانت السنوات الأخيرة من حياته قد حملت خسارةً قاسية، بعدما دمّرت غارة إسرائيلية منزل العائلة في الضاحية الجنوبية لبيروت، وضاعت معه مكتبةٌ تضم كتبًا وأوراقًا وذكرياتٍ ومسودات تراكمت عبر سنواتٍ طويلة.
ولم تكن خسارة المكتبة خسارة مكانٍ مادي فحسب؛ فالمكتبة بالنسبة إلى الكاتب جزءٌ من سيرته، تحتفظ بآثار قراءاته وملاحظاته وأوراقه، وبأشياء لا يمكن تعويضها بسهولة.
هكذا، واجه الشاعر في أواخر حياته مفارقةً موجعة: رجلٌ بنى عالمه بالكلمات، ثم شهد ضياع مكانٍ كان يحتضن الكتب والذاكرة. لكن ما كُتب ونُشر، وما بقي في ذاكرة القراء، ظلّ شاهدًا على تجربةٍ لا تختصرها خسارة منزلٍ أو مكتبة.
لقد رحل الجسد، أما القصائد والكتب فبقيت قادرةً على فتح أبواب تجربته أمام أجيالٍ جديدة من القراء.
إرثه الفني والثقافي… ما الذي يبقى من الشاعر؟
إن إرث مصطفى سبيتي لا يُقاس بعدد مؤلفاته وحده، بل بما تمثّله تجربته من صلةٍ بين الشعر العربي وتراثه، ومن إصرارٍ على التعامل مع اللغة باعتبارها معرفةً وفنًا في آنٍ واحد.
لقد تمسّك بالقصيدة العمودية، واشتغل على الوزن والقافية، واهتم بالمتنبي والتراث اللغوي، لكنه ظلّ في الوقت نفسه ابن بيئته وزمنه، يحمل أسئلة الجنوب وقلق الوطن وتقلّبات الحياة في نصوصه ومواقفه.
كما أن امتداد حضوره إلى أبنائه، وإلى ما كُتب عنه من مراثٍ وشهادات، يؤكد أن رحيل الأديب لا ينهي علاقته بالعالم. فكلّ قراءةٍ جديدة لقصيدةٍ من قصائده تعيد فتح حوارٍ معه، وكلّ عودةٍ إلى كتبه تمنح تجربته فرصةً أخرى للحضور.
وقد تختلف الأذواق في تقييم شعره، كما تختلف القراءات في فهم مواقفه، لكن دراسة تجربته تظلّ جزءًا من قراءة المشهد الثقافي اللبناني، بما حمله من تياراتٍ فكرية وتحولاتٍ أدبية وأسئلةٍ وطنية.
خاتمة: رحل مصطفى سبيتي، ولم ترحل القصيدة
لم يكن مصطفى سبيتي شاعرًا يكتب ليملأ صفحات الدواوين فحسب؛ لقد عاش في عالم اللغة، ورافقته القصيدة في مراحل حياته، من الجنوب الذي وُلد فيه إلى بيروت التي احتضنت جانبًا من تجربته، وصولًا إلى رحيله.
ترك وراءه مؤلفاتٍ شعرية وفكرية، وذاكرةً عائلية وثقافية، وتجربةً تستحق أن تُقرأ في سياقها الأدبي والإنساني. وربما كانت المفارقة الأشدّ تأثيرًا في سيرته أن الحرب استطاعت أن تهدم بيتًا وتبدّد مكتبة، لكنها لم تستطع أن تمحو ما انتقل من تلك الحياة إلى صفحات الكتب وذاكرة الناس.
فالأمكنة قد تُدمَّر، والأوراق قد تضيع، والأجساد ترحل، لكن الكلمة التي تجد طريقها إلى القارئ تستطيع أن تعيش بعد صاحبها.
رحل مصطفى سبيتي، وبقي الجنوب في قصيدته، وبقي المتنبي في شغفه، وبقيت اللغة البيتَ الذي شيّده طوال عمره.
فالشاعر لا يُقاس فقط بما عاشه، بل بما يتركه في الآخرين من أثرٍ، وما يجعلهم يعودون إلى كلماته بعد غيابه.
رحم الله مصطفى سبيتي، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما تركه من شعرٍ وفكرٍ وإبداعٍ جزءًا من الذاكرة الثقافية اللبنانية.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية