ليس من السهل أن نكتب عن رجلٍ جمع بين صرامة الفكر وحرارة الالتزام، بين عمق المعرفة ونبل الموقف، كما فعل الأستاذ عبد الغني أبو العزم. فبرحيله، لا نفقد مجرد أستاذ جامعي أو كاتب سيرة ذاتية، بل نفقد صوتًا من الأصوات التي آمنت بأن المعرفة مسؤولية، وأن اللغة ليست أداةً فحسب، بل قدرٌ يُعاش.
لقد انتمى الراحل إلى جيلٍ لم يكن يفصل بين الثقافة والنضال، بين الفكرة والفعل. كان يؤمن أن المثقف الحقيقي لا يقف على الهامش، بل ينخرط في قضايا عصره، يعيد مساءلتها، ويمنحها أفقًا جديدًا للفهم. لذلك، لم تكن مسيرته الأكاديمية معزولة عن انشغالاته المجتمعية، بل كانت امتدادًا لها، وتعميقًا لأسئلتها.
في قاعة الدرس، لم يكن الأستاذ عبد الغني أبو العزم مجرد ناقلٍ للمعرفة، بل كان صانعًا للأسئلة. كان يفتح أمام طلبته أبواب التفكير، ويحرّضهم على الشكّ الإيجابي، وعلى إعادة النظر في المسلّمات. كان يعلّمهم أن المعرفة ليست تكديسًا للمعلومات، بل هي موقف من العالم، وطريقة في رؤيته وتأويله. لذلك، ظل أثره حيًّا في ذاكرة أجيالٍ من الطلبة الذين وجدوا فيه أستاذًا وموجّهًا، وربما أبًا روحيًا.
أما في مجال الكتابة، فقد اختار لنفسه طريقًا صعبًا: طريق السيرة الذاتية. لكنه لم يسلكه من باب الاعتراف أو التباهي، بل من باب المساءلة والتفكيك. لقد كتب ذاته كما لو كان يكتب زمنًا بكامله، فجعل من تجربته الشخصية مدخلًا لفهم تحولات المجتمع، وتقلبات الفكر، وانكسارات الحلم. كان صادقًا إلى حدّ القسوة أحيانًا، لكنه صدقٌ ضروري، يضيء مناطق العتمة في الذات وفي العالم.
غير أن الوجه الأبرز في مسيرته، والذي سيخلّد اسمه طويلًا، هو عمله المعجمي الرائد. فقد كان الراحل معجميًا من طراز خاص، أدرك أن اللغة كائن حي، وأنها في حاجة دائمة إلى من يُصغي إلى نبضها، ويتابع تحوّلاتها. ومن هنا جاء مشروعه الكبير معجم الغني، الذي لم يكن مجرد تجميعٍ للألفاظ، بل رؤية متكاملة للغة في حركتها وتجدّدها.
تميّز هذا المعجم بسعيه إلى تجاوز الطابع التقليدي للمعاجم، من خلال تقديم معجمٍ حديثٍ يراعي الاستعمال، ويقارب اللغة في سياقها الحيّ، لا في عزلتها القاموسية. لقد كان عبد الغني أبو العزم واعيًا بأن اللغة لا تُحفظ في الرفوف، بل تُصان في التداول، وأن المعجم الحقيقي هو الذي يواكب حياة الناس، ويستجيب لحاجاتهم التعبيرية. وهكذا، أسهم في تقريب اللغة من مستعمليها، وجعلها أكثر مرونةً وانفتاحًا على العصر.
إن الجمع بين السيرة الذاتية والعمل المعجمي ليس أمرًا عارضًا في مسار هذا الرجل، بل هو تعبير عن رؤية عميقة: فكما كتب ذاته ليحفظ تجربته من النسيان، كتب اللغة ليحفظها من الجمود. في الحالتين، كان يواجه الفناء بطريقته الخاصة: مرةً بالكتابة عن الذات، ومرةً بالكتابة للغة.
وفي نضاله، ظل وفيًّا لقيمه، بعيدًا عن الضجيج والشعارات الجوفاء. لم يكن من أولئك الذين يرفعون أصواتهم ليُسمَعوا، بل من الذين يتركون أثرهم ليُحَسّ. كان يؤمن أن التغيير الحقيقي يبدأ من الوعي، وأن الكلمة الصادقة قد تكون أبلغ من ألف خطاب. لذلك، كان حضوره هادئًا، لكنه عميق، كجذورٍ تمتد في الأرض دون أن تُرى، لكنها تمنح الشجرة حياتها.
اليوم، ونحن نودّع الأستاذ عبد الغني أبو العزم، نشعر بأن فراغًا كبيرًا قد خَلَفَهُ رحيله. غير أن هذا الفراغ نفسه هو دليل على امتلاء حياته بالمعنى. فقد ترك لنا إرثًا فكريًا وإنسانيًا لا يُختزل في كتابٍ أو معجم، بل يمتد في العقول التي أثارها، والقلوب التي لمسها، واللغة التي خدمها بإخلاص.
لقد عاش عبد الغني أبو العزم كما يليق بمثقفٍ حقيقي: مفكّرًا، مناضلًا، وكاتبًا، ومعجميًا. وحين رحل، ترك وراءه ما يجعل الغياب شكلًا آخر من أشكال الحضور.
رحمه الله، وجعل أثره باقياً في اللغة التي أحبّها، وفي الذاكرة التي لن تنساه. اليوم، ونحن نودّع الأستاذ عبد الغني أبو العزم، نشعر بأن فراغًا كبيرًا قد خَلَفَهُ رحيله. غير أن هذا الفراغ نفسه هو دليل على امتلاء حياته بالمعنى. فقد ترك لنا إرثًا فكريًا وإنسانيًا لا يُختزل في كتابٍ أو معجم، بل يمتد في العقول التي أثارها، والقلوب التي لمسها، واللغة التي خدمها بإخلاص.
لقد عاش عبد الغني أبو العزم كما يليق بمثقفٍ حقيقي: مفكّرًا، مناضلًا، وكاتبًا، ومعجميًا. وحين رحل، ترك وراءه ما يجعل الغياب شكلًا آخر من أشكال الحضور.
رحمه الله، وجعل أثره باقياً في اللغة التي أحبّها، وفي الذاكرة التي لن تنساه.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية