حين يصبح الهذيان ذاكرةً أخرى” رؤية تأويلية في قصة هلوسة (2) للكاتب الأديب. ” محمد صوالحة “

 

بقلم: عائشة أبو ليل

في قصة «هلوسة (2)، لا يبدو الهذيان انقطاعاً عن الواقع بقدر ما يبدو انكشافاً له. يكتب صوالحة من المنطقة التي تتشقق فيها الأشياء المألوفة، فتخرج منها أرواحها المخفية: كرسيٌّ يتكلم، غيمةٌ تعترف بعقمها، أبٌ ميت يعود من جهة النوم، وقهوةٌ تفقد طعمها في اللحظة التي يفقد فيها الإنسان قدرته على تذوق حياته.

هذه ليست لعبة غرائبية. إنها طريقة الكاتب في تفجير الواقع من داخله.

محمد صوالحة يبني نصه على مفارقة دقيقة: كلما اقترب أيمن من الحقيقة، ابتعد عن الواقع الظاهر. التلفاز، الشرفة، الكرسي، السيجارة، القهوة، الزوجة، السرير؛ تفاصيل يومية شديدة العادية، لكن الكاتب ينزع عنها قناع الألفة، ثم يتركها تواجه الشخصية كأنها شهودٌ على محاكمة طويلة لا يعرف أيمن متى بدأت.

الكرسي هو أول الشهود.

ذلك الخشب المتآكل يحمل أكثر من جسد. يحمل زمناً استُهلك حتى صار الجلوس عليه مخاطرة. وحين يتحدث الكرسي قائلاً: «لا شيء يبقى كما هو»، يصبح صوته امتداداً لصوت الرجل نفسه. الكرسي لا يجيب أيمن؛ أيمن هو الذي يسمع هشاشته في الخارج. كأن الذات حين تعجز عن الاعتراف بتآكلها، تمنح الجماد لساناً لتقول ما تخفيه.

ثم ينكسر الكرسي.

السقوط هنا ليس حادثاً عابراً. إنه سقوط الوهم الذي كان يسند الرجل. الخشب الذي حمله طويلاً يعجز في اللحظة التي يحتاجه فيها، كما عجزت أشياء كثيرة في حياته عن منحه اتكاءً أخيراً. يسقط الجسد، ينفتح الجرح، وينزف الرأس؛ وكأن الواقع نفسه قرر أن يوقظ الحالم بضربة.

لكن أيمن لا يستيقظ تماماً.

فالغيمة التي يمسك بطرفها تبدو امتداداً ليده المرتجفة. يسألها عن وجهتها، فتجيبه: «إلى حيث النهاية والتلاشي». ثم يطلب منها الماء، فتعلن عقمها.

هنا يبلغ صوالحة قلب النص.

الغيمة رمز الوعد المؤجل. شكلها يقول مطراً، وحقيقتها فراغ. إنها سماء تحمل هيئة الخلاص ولا تستطيع إنجازه. وأيمن، العطشان إلى الحياة، يطلب منها ما لا تملكه. فينشأ بينهما ذلك الحوار العبثي الحزين: رجل يبحث عن النجاة لدى كائن عاجز عن النجاة.

وحين تقول له: «أنا عاقر»، لا تنتهي الغيمة؛ ينكشف معنى آخر للعقم.

عقم الأرض من المطر.

عقم الذاكرة من المستقبل.

عقم الوطن حين يفقد أبناءه.

عقم الإنسان حين يتحول ما ورثه إلى شيء مؤجر، وما أحبّه إلى شيء بعيد، وما حلم به إلى موعد لا يأتي.

ومن هنا تأتي الجملة الأكثر ثقلاً في النص: «أرضي وأرضك».

الأب لا يسأل عن ملكية عقارية. يسأل عن الامتداد. عن الشيء الذي كان ينبغي أن ينتقل من يده إلى يد ابنه كما تنتقل النار من مصباح إلى مصباح. لكن الإجابة تأتي جارحة: «مؤجرة».

هنا ينجح محمد صوالحة في تحويل فعل اقتصادي بسيط إلى مأساة وجودية. الأرض لم تُبع، لكنها أيضاً لم تعد حاضرة في حياة صاحبها. بقي الاسم، وغابت العلاقة. صار التراب ملكاً على الورق، وغريباً في الوجدان.

ولهذا يبدو الأب في الحلم أكثر حضوراً من الأحياء.

الموت عند صوالحة لا يلغي الأب؛ ينقله إلى طبقة أعمق من الوجود. هناك، حيث لا تصل قوانين الواقع، يبقى الأب حارساً للمعنى. يضع يده على جبين ابنه، ثم يسأل عن الأرض. كأن الراحل لا يعود ليطالب بالحداد، وإنما ليطالب بما هو أقدم من الحداد: الوفاء.

والأب لا يقول له: احفظ الأرض.

يقول له: «اعمل بأرضك».

وهنا تتسع العبارة حتى تصبح فلسفة كاملة.

العمل في الأرض استعادة للصلة بين الإنسان ووجوده. اليد التي تحرث هي اليد التي تقول: أنا هنا. البذرة فعل إيمان بالمستقبل. الانتظار جزء من الزراعة، ولذلك تصبح الأرض في الحلم مدرسةً للزمن نفسه؛ ما يُزرع اليوم لا يجيب فوراً، وما يُحب يحتاج إلى صبر، وما يُورث لا يبقى حياً ما لم يُعاد خلقه.

إنها وصية أب لابنه، لكنها في العمق وصية الإنسان لنفسه: عد إلى ما تستطيع أن تفعله بيدك قبل أن تبتلعك الأشياء التي لا تستطيع السيطرة عليها.

ومن اللافت أن الكاتب يضع التلفاز في بداية النص والقرويّة في نهايته. بينهما مسافة رمزية هائلة.

في التلفاز يأتي العالم إلى أيمن محمولاً بالأخبار، سريعاً، متكاثراً، منفصلاً عن قدرة العقل على الاحتمال. في القرية، تأتي الحقيقة بطيئة: أرض، أب، إخوة، عمل، انتظار.

هناك عالمٌ يستهلك الإنسان بالمعلومة، وهناك أرضٌ تعيده إلى المعنى.

وبينهما يجلس أيمن.

إنه رجل محاصر بين ضجيج العالم وصمت الجذور.

حتى ضحى، بحضورها الهادئ، لا تستطيع اختراق المسافة التي صنعها الوجع حوله. تضمّد كفه وجبينه، تقدم القهوة، تسأل. لكنها تعالج الجرح الذي تراه، بينما الجرح الحقيقي يقيم في مكان لا تصل إليه الضمادات.

وهنا تكمن براعة صوالحة في الاقتصاد النفسي للنص: لا يصرخ أيمن بحقيقته. يقول مراراً: «لا شيء». لكن «لا شيء» تصبح أكثر الكلمات امتلاءً في القصة. خلفها عمر، وفقر، وموت، وبلاد، وأب، وأرض، وخوف، وذاكرة تتآكل.

إنها عبارة رجل لم يعد قادراً على تسمية ألمه.

حتى القهوة تفقد طعمها.

وهذه ربما واحدة من أكثر العلامات هدوءاً وقسوة في النص: حين تفقد الأشياء اليومية مذاقها، لا يكون الخراب قد وصل إلى العالم فقط؛ يكون قد وصل إلى الحواس التي كانت تمنح العالم معناه.

القهوة هي طقس الحياة.

وحين تصبح بلا طعم، تصبح الحياة نفسها طقساً يؤديه الجسد بعدما غاب عنه القلب.

لهذا تبدو «الهلوسة» في عنوان النص أكثر من تسمية للحالة. إنها مفتاح قراءة. فالكاتب يضع القارئ أمام سؤال ملتبس: من الذي يهذي؟ أيمن، أم العالم؟

حين يتكلم الكرسي، هل يهذي الرجل؟

وحين تعلن الغيمة عقمها، هل يهذي الرجل؟

وحين يعود الأب، هل يهذي النوم؟

أم أن الواقع نفسه أصبح غريباً إلى درجة أن العقل السليم لا يستطيع روايته إلا على هيئة هلوسة؟

هنا يترك محمد صوالحة أجمل منطقة في النص معلقة بلا جواب.

فالهلوسة قد تكون في العين، وقد تكون في العالم.

وقد يكون ما نسميه وهماً هو الشكل الوحيد الذي تستطيع الحقيقة أن تظهر به حين يُغلق الواقع أبوابه.

وفي النهاية، لا نعرف إن كان أيمن قد استعاد قريته فعلاً، ولا إن كان الأب قد زاره حقاً، ولا إن كانت الغيمة قد عبرت السماء أو عبرت رأسه. لكننا نعرف شيئاً أعمق: أن الرجل كان يبحث عن طريق العودة.

والعودة في هذا النص ليست عودة جغرافية.

إنها عودة من التآكل إلى المعنى، من الاستهلاك إلى الجذر، من الفرجة على العالم إلى لمس التراب، من انتظار الموت إلى محاولة زرع شيء قبل مجيئه.

محمد صوالحة لا يكتب عن رجل يهلوس وحسب؛ يكتب عن إنسان صار واقعه نفسه بحاجة إلى أن يهذي كي يحتمل الحقيقة.

ولعل أكثر ما يتركه النص في النفس أن الأرض التي يسأل عنها الأب في الحلم ليست أرضاً خارج أيمن.

إنها الأرض التي بداخله.

وقد يكون خوفه الحقيقي أن يعود إليها متأخراً، فيكتشف أن سنوات الغياب لم تؤجر الحقول وحدها، وإنما أجّرت جزءاً من روحه أيضاً.

لهذا تأتي وصية الأب كنداء أخير من عمق الذاكرة:

ازرع.

كأن الحياة، بعد كل هذا الخراب، لا تطلب من الإنسان أن ينتصر.

تطلب منه فقط ألا يترك يده فارغة.

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!