أزمة التجريد في المخيلة الشعرية

تتجلى في الهوة الكبيرة بين العقل المطلق (الله) والإسقاط الإنساني.

نرى جنوح بعض الشعراء إلى استخدام الذات الإلهية كأقصى درجات المبالغة البلاغية وذلك بغية المفاضلة بين الخلائق وفاطرها كقول الشاعر

لو ان نفسيَ لم تؤمن ببارئها … وقيل من ربك الأعلى لقلت أبي

.أو التحدي، كقول الشاعر: ماشئت لا ماشاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار

.أو في تضخيم الذات كقول أحد الشعراء -ياسبحاني!

.وقد يظن الشاعر هنا أنه يتخطى الحدود المعلومة في ممارسة الخيال الشعري ، لكن القراءة المعمقة لهذا النمط من المبالغات تشير إلى عكس ذلك تماماً: إنها تشهد على ضعف في القدرة على التجريد واستسهال للبلاغة!.

في الحقيقة إن من يستوعب لغة الكون الحقيقية (لغة الرياضيات المعقدة, والتناظر الفيزيائي البديع) , يدرك أن الإله “العقل المطلق” المتسامي عن قوانين المكان والزمان والمادة “ليس كمثله شيء”. وهذا هو التجريد في أبهى صوره!.

.وعندما يفشل الشاعر في صياغة صورة شعرية تستوعب عمق مشاعره أو عبثية التجربة الإنسانية، فإنه يلجأ إلى أقصر الطرق:

تجسيم المطلق ، وتحويله إلى “شخص” أو سلطة مُذكرة قابلة للمواجهة أو حتى المقارنة! .

إنّ هذا النزوع ليس فتحاً إبداعياً!، بل هو تقزيم للمطلق لكي يتناسب مع حدود مخيلة عاجزة عن ابتكار المعنى.

.ثم إن عقدة أوديب والتمرد الساذج يتكرر عبر تاريخ الشعر في صور متعددة

كالمفاضلة والمشاكلة: كما عند ابن هانئ الأندلسي (ما شئت لا ما شاءت الأقدار…) أو الشاعر صاحب البيت الأول ؛ حيث تُسقط صفات الإله على المخلوق لإنتاج صدمة عاجلة و مجانية.

.أو المواجهة والصراع الأوديبي: كما يظهر لدى أدونيس أو بعض شطحات التمرد الحديثة؛ حيث يُتخذ الإله كرمز للحد الأقصى الذي يجب الصدام معه لإثبات القوة الذاتية.

.في كلتا الحالتين، يسقط الشاعر في “عقدة أوديب” الرمزية؛ إذ يتخيل وجود “ذات مُذكرة” يصارعها أو يستبدلها ليتسامى عليها، جاهلاً أن الذات الإلهية في جوهرها تجريد محض لا ينطبق عليه نسيج الحياة البشرية ولا تحكمه الفيزياء المادية فالله -ليس كمثله شيء

.وخلاصة الأمر إن القوة الفنية الحقيقية لا تكمن في الصدمة المباشرة ولا في كسر المحرم – التابو- عبر إقحام المطلق في تفاصيل المقيد.

.إن احترام العقل المطلق المنظّم للكون يفرض على الأديب الارتفاع بمخيلته إلى مستوى ذلك التجريد، لا هدم السقف واستسهال المقارنات لتعويض نقص البلاغة.إلهي لقد بلغت اللهم فاشهد

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!