بقلم:كمال محمود علي اليماني
أصدر القاص جهاد جحزر كتابه الموسوم بـ”خلف باب اليمن”، وهو من إصدارات هذا العام للناشر مكتبة خالد بن الوليد، مراجعة لغوية وتنسيق نجيب التركي، تصميم الغلاف خلدون الدالي، وفي التجنيس للكتاب تظهر جملة “مجموعة قصصية”، ومنذ العتبة الدلالية الأولى، أعني العنوان، يتضح أننا سنقرأ قصصاً تتناول ما يجري وراء هذا الباب، وعليه فعالم القص سيكون عالماً محلياً يكشف مخبوءات تتوارى خلف هذا الباب.
في الغلاف الأمامي ظهر باب صنعاء مغلقاً، وهو يغوص في أمواج متلاطمة، وكان اللون الأسود هو اللون الطاغي بما يوحي بسوداوية المشهد، غير أن أوراقاً بيضاء بدت في الصورة أراها مرموزاً لقصص المجموعة، راحت تعلو وتعلو في السماء حتى تحولت إلى طيور ترتفع في الفضاء الرحب باتجاه الشمس، بما يشي بالأمل، وقد ظهر اللونان الأزرق والأحمر على الورقة الأولى، فكأن المصمم بإيعاز من القاص، أو بدون ذلك، قد جعل الأزرق دلالة على مداد القصص، وجعل الأحمر دلالة على دم القلب.
حملت المجموعة بين غلافيها 31 قصة جاءت في 143 صفحة، وهي قصص متنوعة في شكلها البنائي؛ فهناك القصة التقليدية ذات الحدث المتنامي، كما في قصة (الفخ)، وقصة (نطحة التمرد) وغيرهما، وهناك القصص المشهدية التي تضع أمام القارئ فكرة دون أن تعبأ بالحدث، وهي شكل جديد من أشكال الكتابة القصصية يلجأ إليه الكثير من القاصين بغرض عرض فكرة ما؛ بشكل يجعل القارئ أكثر اهتماماً بالفكرة منه بالحدث، ويجعل منه شريكاً في كتابة القصة، حيث يعتمد على الإيحاء، كما يخلق توتراً في القصة يرغم القارئ الحصيف على أن يضع أسئلة متوالية تسير به نحو دلالة القصة لا معناها الظاهري، وقد تجلى ذلك في عدد من قصص المجموعة مثل قصة (قصر أربكته ورقة)، وقصة (خلف جدران الصمت)، كما حوت المجموعة عدداً من المقالات القصصية، والمقالة القصصية هي مقالة تهتم بالفكرة، ويكون القاص فيها مرشداً ومعلماً؛ فهو يضع فكرته في قالب قصصي، بيد أنه لا يكتفي بإنهائها نهاية تتناسب مع ما أورده في قصته، بل يشفع النهاية بأن ينبه القارئ إلى هدف القصة والغرض الذي كتبها من أجله، كما في المقال القصصي (الكف اللعينة)، و(الخزانة الفارغة).
الحقول الدلالية لعناوين المجموعة توزعت بين المفردات ذات الطاقة الإيجابية كما في (بحر، الضمير، فجر، الأمل، بياض، اليقظة، القبلة)، ومفردات ذات طاقة سلبية؛ وهي تقترب من ضعفي المفردات الإيجابية، مثل: (زفرات، اليتيم، يختنق، دمعة، السوء، صدى، اللعينة، الفارغة، التمرد، الذبح، العار، وأد)، وهو ما يشير إلى ما يعتمل خلف باب اليمن من مآسٍ، وآلام، وأوجاع، وإن كان هناك حيز ولو طفيف للفرح والأمل.
لغة المجموعة كانت لغة شعرية واضحة استطاع القاص جهاد جحزر من أن يرسم من خلالها لوحات وصفية يتمتع القارئ بحلاوتها، وتوصل المشاعر والأحاسيس والأفكار بجمال وروعة لا تتأتى إلا لمن كان مثله من القاصين المبدعين الذين يتقنون الرسم بالكلمات.
من جميل عباراته قوله: “لم يكن صمتي دهشة في حرم الجمال، بل كان موتاً تعبيرياً على فمي المطبق من صدق الشعور وجور اللحظات”، أو قوله: “في ساعة لم تكن معدة للصحوة، انشق الفجر بخيوط بيضاء، رفيعة، عاجزة عن حياكة ضوء حقيقي. كانت خيوطاً شاحبةً تتلوى في سماء ثقيلة كخيوط عنكبوت علقت في دخان لم يعد يُرى”.
تناولت المجموعة عدداً من المواضيع ذات الشأن المحلي اليمني والشأن العربي، وإن كانت قد ركزت على الشأن اليمني، وطرقت شؤوناً سياسية واجتماعية واقتصادية يقع المواطن اليمني تحت وطأتها. وبدا القاص من خلالها مسكوناً بالهم الوطني وبالهم العروبي، واستطاع من خلال مجموعته أن يسلط الضوء على كثير من مظاهر البؤس الذي يعاني منه الناس، وأن يضع أسئلة تحرك الساكن في ضمائرنا وعقولنا تجاه ما تعانيه اليمن، وتعانيه العروبة، ولقد تعددت صور الأبطال في مجموعته، فأحياناً يكون البطل امرأة، وأحياناً يكون رجلاً، ومرة يكون طفلاً أو فتاة، وطوراً يكون حيواناً أو ورقة، وطوراً آخر تتحول الفكرة ذاتها إلى بطل للقصة.
تقاسم ضمير الغائب وضمير المتكلم قصص المجموعة، حيث جاءت 16 قصة بضمير السارد الغائب، وجاءت 15 قصة أخرى بضمير السارد المتكلم، يتضح من ذلك أن القاص جهاد جحزر قد استخدم الضمير الغائب ليمنح نفسه حرية أوسع في السرد والوصف، ولجأ إلى ضمير المتكلم ليصبح أكثر قدرة على أن يعبر عن مشاعره وأحاسيسه هو ذاته.
المجموعة حفلت بالكثير من الجمال في الوصف، والكثير من الأفكار الرائعة، والمشاعر الوطنية والعروبية، بل والإنسانية الراقية.
من سلسلة قرأت لكم:
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية