الأديبة عائشة أبو ليل تقرأ نص (هلوسة) للكاتب الأردني محمد صوالحة

في «هلوسة» لا تبدو الأشياء كما هي، لأن الإنسان حين يثقل بما لا يستطيع قوله، يبدأ بمنح الأشياء صوته.

سراج لا يعود إلى بيته؛ يعود إلى آخر ما تبقى منه. إلى صوت أمٍّ ما زال يعرف كيف يناديه، إلى فنجان قهوة يشبه طقساً صغيراً يحاول به أن يستعيد نفسه، إلى مقعد مهترئ لم يعد مقعداً بقدر ما صار شاهداً على رجل يتآكل بصمت. حتى السيل الذي جفّ، يبدو كأنه نسخة أخرى منه؛ كان ذات يوم ممتلئاً بالحياة، ثم مرّت عليه أيدي الآخرين، فسرقت ماءه وتركته وحيداً مع رائحة الوحل.

في هذه المسافة بين الرجل والسيل، يتكثف وجع النص كله: كلاهما فقد شيئاً كان يجري فيه.

ولعل أكثر ما يؤلم أن سراج لا يطلب النجاة. هو فقط يبحث عن شيء يقول له إن ما يشعر به حقيقي، وإن الخراب الذي يسكنه ليس وهماً. لذلك يسأل المقعد، ويحاور السيل، ويمنح الفنجان حياةً أخيرة. كأن الأشياء صارت أرحم من البشر، لأنها لا تطلب منه أن يشرح سبب تعبه.

وحين يرمي الفنجان في السيل، لا يبدو أنه يرميه غضباً؛ كأنه يتخلى عن آخر عادة كانت تربطه بالحياة.

ثم يعود.

تسأله أمه عن الفنجان، فيقول:

«ملّ مني فانتحر.»

هنا لا يعود الفنجان هو الذي انتحر.

إنها الجملة التي لم يستطع سراج أن يقولها عن نفسه.

وهكذا تنتهي القصة عند أكثر نقطة صمتاً فيها: ليس حين ينكسر الفنجان، بل حين يصبح الإنسان عاجزاً عن الاعتراف بأنه هو الذي انكسر.

ربما لهذا تبدو «هلوسة» أقل غرابة مما نظن؛ فالهلوسة الحقيقية ليست أن نسمع صوت السيل، بل أن نعيش طويلاً إلى جوار الأشياء حتى تصبح أقدر منا على قول الحقيقة.

بعض الأشياء لا تنتحر لأنها ملّت منا؛
إنها تنتحر حين نعجز نحن عن إنقاذ ما تبقى منها فينا.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!