الهامش والآخر في “مساكن وشرفات” للقاصة خلود الواكد

بقلم: أسيد الحوتري

لطالما منح الأدب صوته لمن يقفون على هامش الحياة، فاستحضر شخصيات لا تجد في الواقع من يصغي إليها، وحوّل عزلتها وفقدها وانكساراتها إلى حكايات تجعلها مرئية أمام القارئ. من “البؤساء” لـ (فيكتور هوغو) إلى كثير من أعمال نجيب محفوظ، ظل المهمش حاضرا في الأدب بوصفه إنسانا له عالمه الداخلي، لا مجرد شخصية تقع خارج مركز المجتمع.

وتتصل دراسة هذه الشخصيات بما يمكن تسميته “مقاربة الهامش/الآخر”، وهي مقاربة متعددة الروافد، تنظر إلى الطريقة التي يُصنع بها “الهامش/الآخر” في مقابل “المركز”، وكيف تُمنح بعض الأصوات حق الظهور بينما يفرض الصمت على أصوات أخرى. وترتبط هذه المقاربة خصوصا بأعمال (ميشيل فوكو) في دراسته للسلطة والخطاب وآليات الإقصاء، وإدوارد سعيد في تحليله لتمثيل الآخر وعلاقة المركز بالهامش، و(هومي بهابها) في دراساته للهوية والاختلاف وموقع الآخر في الخطاب الثقافي. ولا تنتمي الأسماء السابقة إلى منهج واحد بالمعنى المدرسي، لكنها أسهمت، من مواقع نظرية مختلفة، في بناء الأسئلة التي تقوم عليها دراسات الهامش والآخر.

وانطلاقا من هذه المقاربة، يحاول هذا المقال قراءة مجموعة من قصص “مساكن وشرفات” للقاصة خلود الواكد، للوقوف على الشخصيات التي تدفعها الحياة إلى الهامش، والكشف عن صور التهميش التي تنتجها التجربة الإنسانية، وعن المسافة بين ما تعيشه هذه الشخصيات في الداخل وما يراه الآخرون منها في الخارج. ولن يكون المقصود مجرد تصنيف الشخصيات بوصفها “مهمشة” فحسب، بل تتبّع الكيفية التي يصوغ بها السرد حضورها، فيمنحها صوتا وذاكرة ووجودا في عالم غالبا ما يتجاهلها.

“ذاكرة الحريق”: حين يصنع المجتمع الآخر

في “ذاكرة الحريق” يتشكل “الآخر” من خلال نظرة المجتمع إلى الجسد المختلف. فالرجل الذي حمل آثار الحريق منذ طفولته لا يعيش عزلته بسبب الحريق وحسب، وإنما بسبب ما يتخيله من نظرات الآخرين إليه وخوفهم منه. ولذلك يختار أن يراقب الأطفال من بعيد، ويختبئ تحت الشجرة، ثم لا يدخل الحديقة إلا متخفيا خلف وجه مطلي وأنف أحمر؛ فلا يظهر للآخرين بوجهه الحقيقي، وإنما بالوجه الذي يعتقد أنه سيكون مقبولا لديهم.

وهنا يتحول الحريق إلى قوة تدفع الشخصية إلى الهامش. فالرجل حاضر في المكان، لكنه غائب اجتماعيا؛ يرى الآخرين ولا يشاركهم عالمهم، ويمنح الأطفال البالونات لكنه لا يستطيع أن يريهم وجهه الحقيقي. والمفارقة أن الشخصية التي تبدو للآخرين سببا للخوف، هي نفسها التي تتصرف بأقصى درجات الرقة حين تتسلق النخلة لاستعادة بالون طفلة باكية.

وتبلغ القصة ذروة التهميش حين تتدخل الأم وتسحب طفلتها بعيدا عنه، رغم أنه لم يفعل سوى مساعدتها. لا يحتاج النص إلى وصف موقف عدائي مباشر؛ فحركة الأم تكفي لتعيد الرجل إلى موقعه في الهامش. إنه شخص يستطيع أن يمنح الفرح، لكنه محروم من أن يكون جزءا منه.

وفي النهاية يعود إلى غرفته، حيث عشرات البالونات، ويحتفظ بالبالون الذي لم تستطع الطفلة الاحتفاظ به. تبدو هذه البالونات هنا أشبه بعالم بديل عن العالم الذي حُرم منه؛ عالم يمكنه فيه أن يحلم بسماء زرقاء وعالم جميل. وبذلك لا تقدم القصة المهمش بوصفه شخصا عاجزا، بل تكشف كيف يمكن لنظرة الآخرين أن تصنع هامشا حول الإنسان، ثم تجبره على الاختباء داخله.

“كُم أبي”: الآخر داخل البيت

إذا كانت “ذاكرة الحريق” تقدم شخصية تدفعها نظرة الآخرين إلى الهامش، فإن “كم أبي” تنقلنا إلى شكل أكثر قسوة من التهميش وهو كون الإنسان في مركز الأسرة، مع بقائه على هامش عاطفتها.

الأب هنا مقاتل عاد من الحرب منتصرا، لكنه عاد مهزوما على المستوى الإنساني. لفقد ذراعه، ومعها يبدو أنه فقد قدرته على التعبير عن الحب والحنان. والمفارقة أن الابن/ الابنة لا ينظر إلى أبيه بوصفه بطلا بقدر ما يراه أبا يحرمه العناق الذي يحتاج إليه. وهكذا تنشأ مسافة بين الصورة الاجتماعية للأب المقاتل، والصورة الخاصة التي يعيشها الابن/الابنة معه.

الابن يقبّل كمّ أبيه الفارغ، ويحلم بأن يحتضنه ذلك الكم. فالكم هنا ليس مجرد تفصيل في مظهر الأب؛ إنه يتحول إلى علامة على الغياب: غياب الذراع، وغياب العناق، وغياب الحنان. وحين يرى الابن الأكمام معلقة على حبال الغسيل، يتمنى أن تقوم هذه الأكمام بالدور الذي عجز أبوه عنه: أن تضمه إليه.

ومن منظور الهامش/الآخر، لا يكمن التهميش هنا في إقصاء الشخصية من المجتمع، وإنما في حرمانها من الحصول على حاجتها العاطفية. فالطفل الذي يريد الحب لا يجد مكانا لحاجته في علاقته مع أبيه، فيصبح احتياجه نوعا من الهامش؛ شيء موجود في داخله، لكنه لا يجد من يستجيب له.

اللافت أن القصة لا تجعل الأب شريرا، ولا تجعل الابن ضحية مباشرة له؛ بل تترك بينهما فجوة صنعتها الحرب والفقد والعجز. وهنا تتجاوز الواكد ثنائية الجلاد والضحية، لتكشف أن المهمش قد يكون شخصا يحمل جرحا ما جعله عاجزا عن منح ما يفتقده الآخرون.

“سفينة نوح”: حين يبقى الكاتب خارج السفينة

في “سفينة نوح” يأخذ التهميش صورة مختلفة؛ فالشخصية لا تُقصى بسبب مظهرها، ولا تعاني من حرمان عاطفي داخل الأسرة، وإنما تجد نفسها خارج الجماعة في اللحظة رحيل. لقد تأخر عن اللحاق بالآخرين لأنه كان يكتب؛ “لمع هاجس في خاطره فكتب”، وحين رفع رأسه كان الآخرون قد مضوا وتركوه خلفهم.

تبدو الكتابة في ظاهر الأمر سببا في وحدته، لكنها في العمق تكشف عن مفارقة مؤلمة: الشيء الذي يمنحه هويته هو نفسه الذي يفصله عن الآخرين. لقد اختار، ولو مؤقتا، عالم الكتابة على اللحاق بالجماعة، لكنه حين انتهى من الكتابة لم يجد الجماعة في انتظاره. ومنذ تلك اللحظة يصبح السؤال المركزي: لمن يكتب؟

وهذا السؤال يتجاوز الوظيفة المباشرة للكتابة ليصبح سؤالا عن وجود “الآخر”. فالكاتب يحتاج إلى قارئ، وإلى شخص يعترف بوجوده، واعتبار ما يقوله يستحق أن يُسمع. لذلك تتكرر في حديثه الأسئلة: لمن يكتب؟ من سيقرأ ما يكتبه؟ من؟ لا أحد. إن غياب القارئ يتحول إلى صورة أخرى من صور الإقصاء؛ فالصوت موجود، لكن المستمع غائب.لقد أصبح خارج السفينة، وخارج الجماعة، وخارج الذاكرة المشتركة، حتى إنه يصل إلى السؤال الأكثر قسوة: “من سيدفنني عندما أموت؟”

ولهذا تبدو استعارة “سفينة نوح” مركزية في بناء القصة. فالسفينة، في المخيال الديني، هي صورة للنجاة الجماعية، بينما يقف هذا الرجل خارجها. لكنه ليس بالضرورة شخصا مرفوضا من الآخرين؛ إنه شخص لم يلحق بهم. وهذه نقطة مهمة في فهم التهميش، فالهامش لا ينتج دائما عن إقصاء متعمد من المركز، بل قد ينشأ أحيانًا من المسافة التي تتسع بين الفرد والجماعة حتى يصبح الرجوع مستحيلا.

وفي الجملة الأخيرة، حين يشبه نفسه بنبي وحيد “لم يُذكر في كتاب مقدس”، تبلغ الوحدة أقصى درجاتها؛ فهو لا يكتفي بأن يكون وحيدا في الحاضر، بل يتخيل نفسه خارج التاريخ أيضا. وهكذا تجعل القصة من الكاتب صورة للمهمش الذي يمتلك صوتا، لكنه لا يجد من يسمعه.

“عاقر”: امرأة تنتظر طفلا لم يأتِ بعد

في قصة “عاقر” يظهر التهميش من خلال صورة المرأة التي يصبح الإنجاب معيارا ضمنيًا لاكتمال حضورها الاجتماعي والإنساني. تتزوج المرأة وتنتظر أن تحمل، لكن القدر يؤجل مجيء الطفل، فتدخل في حالة من الانتظار يملؤها التفكير والتأمل واستعادة ما كان يمكن أن تكون عليه حياتها لو جاء الطفل.

ولا تحتاج القاصة إلى تقديم مجتمع يعاقب المرأة أو يعلن رفضه لها؛ فالتهميش هنا أكثر خفاء، إذ يتسلل إلى داخل الشخصية نفسها. يصبح غياب الطفل حاضرا في وعيها، وتتحول الأمومة من تجربة معاشة إلى حلم وانتظار، حتى يبدو أن المرأة تقيس جزءا من وجودها بما لم يتحقق بعد.

ومن زاوية الهامش/الآخر، يمكن النظر إلى الشخصية بوصفها واقعة على هامش النموذج التقليدي للمرأة؛ ذلك النموذج الذي يربط الزواج بالأمومة، ويجعل الإنجاب جزءا أساسيا من الصورة الاجتماعية للزوجة. لكن القصة لا تسمح لهذا التصنيف بأن يكون نهايتها؛ فالمرأة لا تُختزل في وصف “عاقر”، وإنما يكشف السرد عن ذات ممتلئة بالرغبة في الأمومة، وبقدرة على تخيل طفل لم يصل بعد.

وتأتي النهاية لتمنح هذا الانتظار بعدا رمزيا بالغ الأهمية. فالمرأة تحمل الدمية وتضعها على السرير إلى جانب الطفل الذي تتخيله، والذي لم يأت بعد. إنها لا تستبدل الطفل بالدمية، ولا تتعامل مع غيابه بوصفه حقيقة نهائية، وإنما تضع أمامها صورة المستقبل الممكن. وكأنها تهيئ مكانا لطفل قد يأتي ذات يوم، ومكانا لنفسها في المجتمع.

وهنا تكمن قوة النهاية: فالقاصة لا تغلق الباب أمام الشخصية، ولا تحكم عليها بالبقاء في الهامش، بل تتركها معلقة بين الحاضر والمستقبل، بين ما لم يتحقق وما يمكن أن يتحقق. ويصبح الطفل المتخيَّل أملا في الحضور رغم الغياب.

وهكذا تختلف صورة التهميش في “عاقر” عن صورها في القصص السابقة؛ فهي ليست إقصاء مباشرا من الآخرين، وإنما وضع المرأة في موقع “الآخر” بسبب عدم انطباق حالتها على صورة اجتماعية جاهزة.

ختاما، تكشف القصص الأربع التي تناولناها أن الهامش في “مساكن وشرفات” ليس موقعا اجتماعيا ثابتا، ولا يرتبط دائما بالفقر أو الإقصاء المباشر؛ فقد يكون الإنسان في قلب المكان، لكنه يعيش خارجه من الناحية الإنسانية. يتشكل الهامش مرة من نظرة الآخر إلى الجسد، كما في “ذاكرة الحريق”، ومرة من الحرمان العاطفي داخل الأسرة كما في “كم أبي”، ومرة من التخلف عن الجماعة والوقوف خارج تجمعها كما في “سفينة نوح”، ومرة من صورة اجتماعية تختزل المرأة في قدرتها على الإنجاب كما في “عاقر”.

هكذا، تتسع ثنائية المركز والهامش في المجموعة؛ فالمركز ليس دائما مؤسسة أو سلطة أو جماعة تمتلك القوة، والهامش ليس دائما مكانا خارجيا. قد يكون الهامش بين أفراد الأسرة، وفي الذاكرة، وفي علاقة الإنسان بذاته وبالآخرين. وهذا ما يجعل “الآخر” في هذه القصص مفهوما متحركا، يصنعه المجتمع، أو الأسرة، أو الفقد، أو الوحدة، أو حتى نظرة الإنسان إلى نفسه.

اللافت أن خلود الواكد لا تتعامل مع هذه الشخصيات بوصفها حالات تستحق الشفقة، وإنما تمنحها مساحة سردية تجعل القارئ يرى العالم من موقعها. ومن هنا تأتي قيمة الكتابة عن المهمش: ليس فقط في نقل صوته، وإنما في تغيير موقع القارئ نفسه، بحيث يغادر مركزه المعتاد للحظة، وينظر إلى العالم من الهامش.

لعل “مساكن وشرفات” في جوهرها لا تتحدث عن هشاشة المهمشين وحدهم، بقدر ما تكشف هشاشة العالم الذي يجعل إنسانا ما غير مرئي، أو يجعله محتاجا إلى أن يتنكر، أو يبحث عن ذراع لتعانقه، أو ينتظر قارئا غير موجود، أو يحتفظ بمكان لطفل/أمل لم يولد بعد. وفي هذا المعنى، يصبح الأدب وسيلة لإخراج المهمشين من دائرة النسيان، ومنحهم حضورا وصوتا يتيحان للآخرين رؤية ما تخفيه حياتهم من مشاعر وتجارب.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
casibomcasibom girişcasibom resmi giriş