دراسة نقدية لقصيدة “تَغابي” للشاعر شاهر عبدالواسع الأثوري

بقلم: يحيى يوسف بلال

نبذة عن الشاعر
شاهر عبدالواسع الأثوري، من مواليد 1974 في عزلة الأثاور، مديرية حيفان – تعز.
يهوى الشعر وله عدة محاولات شعرية، ويميل إلى كتابة الشعر العمودي على نمط المدرسة الكلاسيكية.

شاعر يمني معاصر ينتمي إلى جيل الشعراء الذين جمعوا بين الأصالة والحداثة في تجربتهم الشعرية. يتميز شعره بالصدق الوجداني والوعي القيمي، حيث يطرح قضايا الحب والكرامة والإنسانية في نصوصه، ويعتمد على الصور البلاغية العميقة والرموز الطبيعية التي تمنح نصوصه بعداً جمالياً وفلسفياً.
يُعد الأثوري من الأصوات الشعرية الساعية إلى ترسيخ حضور الشعر العربي في المشهد الثقافي اليمني والعربي، عبر نصوص تحمل البعد الإنساني والرسالة الأخلاقية، وهو ما يتجلى بوضوح في قصيدته “تَغابي”.

المقدمة”
تمثل قصيدة “تَغابي” نموذجاً للشعر الوجداني الذي يوازن بين العاطفة والكرامة؛ إذ يبوح الشاعر بشجونه العاطفية، لكنه في الوقت ذاته يرفض الانكسار أمام الجفاء والغدر. النص ينهض على جدلية الحب والاعتزاز بالذات، مما يمنحه بعداً إنسانياً وأخلاقياً يتجاوز حدود البوح الشخصي.

مدرسة النص الشعري
القصيدة تنتمي إلى مدرسة الإحياء والبعث التي أعادت للشعر العربي روح الوزن والقافية بعد عصر الانحطاط، لكنها تحمل أيضًا ملامح وجدانية رومانسية حديثة. فهي تجمع بين الأصالة الكلاسيكية والبوح العاطفي المباشر، مما يجعلها نصًا هجينًا بين الكلاسيكية والرومانسية.

البنية الإيقاعية
الوزن والقافية: القصيدة تنتمي إلى الشعر العمودي، وتلتزم ببحر وقافية موحّدة، مما يمنحها موسيقى خارجية رنانة تعكس الانفعال الداخلي. البحر الشعري
القصيدة مكتوبة على بحر الوافر، وهو بحر ذو إيقاع قوي وموسيقى داخلية متدفقة، يناسب موضوعات الحب والوجد والفخر.
تفعيلاته الأساسية:
مفاعلتن مفاعلتن فعولن
وقد التزم الشاعر بهذا الوزن مع قافية موحدة بالباء المكسورة، مما منح النص انسجامًا موسيقيًا مؤثرًا.
الإيقاع الداخلي: يتجلى عبر التكرار الصوتي في كلمات مثل شجون، أهيم، العز، وهو ما يعزز الإحساس بالوجد والتمرد.
التوازن التركيبي: كل بيت يقوم على مقابلة بين حالتين: الشوق مقابل الجفاء، الحب مقابل الكبرياء، مما يرسخ البنية الجدلية للنص.

الصور الشعرية
التشبيه والاستعارة:
“كغصن الورد في البستان” صورة رقيقة ترمز إلى رهافة القلب في الحب.
“كن كالصقر حلق كالعقاب” صورة قوية تعكس العزة والشموخ.
الرموز الطبيعية: الطيور، الحدائق، الغيوم… كلها عناصر وظّفها الشاعر لتجسيد حالاته النفسية، مما يضفي على النص بعداً كونياً.
المفارقة: بين الحب الذي يرقق القلب والجفاء الذي يفرض الكبرياء، وهي مفارقة مركزية في النص.

الدلالات الفكرية
الحب كقانون طبيعي: “يغزو كل نفس ويقتحم القلوب بلا ارتياب” يرسخ رؤية شمولية للحب كقوة لا تُقاوَم.
الكرامة الإنسانية: الشاعر يرفض الذل في الحب ويؤكد أن العز هو الأصل في الإنسان.
البعد الأخلاقي: النص يقدم توجيهاً للقارئ: مواجهة الغدر بالشموخ، وعدم الاستسلام للحزن، مما يحوّل القصيدة من مجرد بوح إلى خطاب إنساني.

البنية الجدلية
تقوم قصيدة “تَغابي” على جدلية ثلاثية محورية تجمع بين:
1. الحب والشوق: حيث يظهر الشوق كقوة وجدانية لا يمكن كبحها.
2. الجفاء والغدر: كقوى مضادة تكسر صفاء الحب وتزرع الألم.
3. العزة والكرامة: كصوت موازن يرفض الاستسلام للحزن أو الانكسار.

بهذا التفاعل الجدلي، تتحول القصيدة إلى خطاب إنساني متكامل، يضع القارئ أمام معادلة وجودية: كيف يمكن للإنسان أن يعيش الحب بكل صدقه وعذوبته، دون أن يتنازل عن كرامته؟

تقاطع القصيدة مع عمالقة الشعر
– ابن زيدون: في تصوير الشوق والحنين إلى الحبيب الغائب.
– المتنبي: في الدعوة إلى العزة والكرامة، مثل قوله “إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ”.
– نزار قباني: في البوح العاطفي المباشر والعتاب الحاد للحبيب.
– محمود درويش: في المزج بين الحب والكرامة، حيث لا ينفصل الوجدان عن الكبرياء.

الخاتمة
قصيدة “تَغابي” ليست مجرد نص وجداني، بل هي صرخة إنسانية تجمع بين العاطفة الصادقة والكرامة الراسخة. الأثوري يضع القارئ أمام معادلة صعبة: كيف نحافظ على إنسانيتنا في الحب دون أن نفقد عزتنا؟
إنها قصيدة ذات قيمة أدبية وفكرية، تصلح لأن تكون مادة للنقاش النقدي في المجلات الأدبية، لما تحمله من صور بليغة، إيقاع متماسك، ورسالة أخلاقية تجعلها إضافة مميزة للمشهد الشعري المعاصر.

قصيدة “تَغابي”
شاهر عبدالواسع الأثوري

شُجونٌ مِن جفاك تدقُ بابي
سأنساها وأصطنع التغابي

إذا وَعَدَ الخيالُ بنيلِ وصلٍ
أقول لهُ: وُعودك كالسَّرابِ

إذا ما غبت عن عيني لوقتٍ
أحِن وأشتكي وجع اغترابي

تراني في الصباح أهيم وجداً
أنوح مع الطيورِ على شبابي

يؤرقني الفراق مِن اشتياقي
ويحرمني المنام ولا يُحابي

لماذا حينما أزداد شوقاً
إليك أراك تسرف في عتابي؟

تحاسبني على ولعي ووجدي
أذنبٌ ذاك يستدعي حسابي؟

أهيم على لقاك وأشتهيهِ
فألقى الصدَّ منك على غيابي

فهل تسلو إذا شاهدت دمعي
وتسعد إن نظرت إلى عذابي؟

فبادلني بودي منك ودّاً
ولا تُضف الجفاء إلى مُصابي

لعمرُك لا يُلام الطير يوماً
إذا عشقَ الحدائق والرَّوابي

وإنَّ الحُبَّ يغزو كلَّ نفسٍ
ويقتحم القلوب بلا ارتيابِ

يصيرُ القلبُ حال الحُبِّ غَضَّاً
كغُصن الورد في البستانِ

وليس هُناك أظلم مِن خَؤونٍ
لئيم الطبع في غدرِ الذئابِ

إذا جافاكَ مَن أحببت يوماً
فلا تَسكب دموعك كالسحابِ

ولا تقضِ الحياة تحِنُّ حُزناً
وتُمعن في الهُيامِ وفي التصابي

وقابل غدرهُ بشموخ رأسٍ
وكن كالصقر حَلِّق كالعُقابِ

فإنَّ العزَّ بالإنسانِ أولى
وحال الذُّلِّ ليسَ مِن الصوابِ

فطبع العزّ يكسو المرءَ فخراً
وثَوب الذُّل مِن شرِّ الثيابِ

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!