دينامكية التشويق في أدب البارانورمال “عند منتصف الليل” و”بين عالمين” “أنموذجا” لـ”فاتن فهد”

رؤية وداد أبوشنب

 

أدب ما وراء الطبيعيّ أو البارانورمال  paranormalيُعنى بالظواهر الخارقة التي لا تبحث عن تفسير علمي، نحو الأشباح والأرواح العالقة والبيوت المسكونة والتخاطر وتجارب الاقتراب من الموت، وأهم ما يميِّزه هو التساؤل عمّا يحدث هل هو هلاوس أم هي أرواح فعلا؟ كما يتداخل كثيرا حدّ الاندماج مع السوبرناترال -ما وراء الطبيعة- supernatural، إنها عوالم لا نستطيع نفي ما يقال عنها ولا إثباته. وقد يحدث لبس في أذهان بعض المتلقين، بين هذين الأدبين وأدب الرعب، فالرعب قد يكون عنصرا من عناصر البارانورمال والسوبرناتورال، لكن لا يجب حضوره بالضرورة، كما يتخذ أحيانا أدب الرعب ظاهرة البارانورمال عنصرا للإيغال في الغموض. ومن رواد ما وراء الطبيعي الغربيين إدغار ألن بو وستيفن كينغ، أمّا عند العرب فلدينا مؤلف سلسلة ما وراء الطبيعة أحمد خالد توفيق، وشخصية السلسلة الجدلية الدكتور رفعت إسماعيل، ولحقه كُتّاب من الشباب نحووا نحوه مثل تامر إبراهيم. أما في الأردن فقد قرأت رواية “نزلاء العتمة” لزياد محافظة، حيث الأحداث تدور في المقابر وأبطالها أموات عالقون، فقد تكون بارانورمال أو غرائبية نفسية. وإن أجزنا أيضا اتخاذ روايات يحيى القيسي تمثيلا لأدب البارانورمال! حيث إنّ مواضيعه تدور حول الوجودية والتصوّف والفلسفة والنفس البشرية وعالم الغيب… وتعدّ القاصة فاتن فهد رائدة في مجال إنشاء سلسلة تُعنى بهذا الأدب في الأردن.

من أهم العناصر المكوِّنة لأدب البارانورمال أو ما وراء الطبيعيّ، عنصر التشويق، وسأتحدث في هذه الورقة عن ديناميكية التشويق في النصوص التي بين يديّ للقاصة فاتن فهد. وهما كتابان، إن شئنا صنفناهما قصصًا وإن شئنا أدخلناهما في جنس النوفيللا: عند منتصف الليل وبين عالمين الذي يضم قصتين بين دفتيه: نداء ما بعد الموت وعلى حافة الغياب.

يتّخذ أسلوب التشويق عند فاتن فهد أشكالا عدّة، بداية من العتبات: اسم السلسلة الذي يوحي بوجود ظلال لكيانات غير المتعارف عليها، والعناوين المختارة نحو منتصف الليل الذي يحمل في داخله عالم العتمة والغموض، وبين عالمين بشقيه الداخليين: نداء ما بعد الموت وعلى حافة الغياب، وكلا العنوانين يحملان في طياتهما مجهولا وتوقعات مخيفة وغموضا. والغلاف الخلفي منوّه فيه بأنّ القاصة حاصلة على دورات في علم النفس، وهذا يشي بمعرفتها بالنفس البشرية بكل ما تحمله من غموض. أما العتبات الداخلية فهي موجهات حقيقية للمتلقي، مثل:

التمهيدات: دعوة صريحة للولوج في عالم الأرواح المجهول: “إلى الظلال التي امتدت خلف أصحابها، تحمل ما عجزوا عن قوله…” عند منتصف الليل (ص5). وإهداء بين عالمين كاملا “إلى الأرواح التي مرّت بيننا ذات يوم (…) وإلى النداءات التي يبتلعها السكون”. وفي المقدمتين ص9 وص7، وفي التمهيد والإضاءة، كلها جمل توحي إلى وجود عالم الأرواح العالقة. وهناك تقنية أخرى لجأت إليها القاصة وهي ترقيم الفصول لا عنونتها: الفصل الأول والثاني والثالث… وذلك بغرض إبقاء الموضوع غامضا لا ينكشف إلا بالتدريج، وتلك أيضا من أهم سمات التشويق. كما يوجد تذييل في آخر الكتاب، تعريفُها بالسلسلة بجملة: ” اقلب الصفحة… وستجد نفسك في قلبِ الظلّ، حيث لا ينجو إلّا من يجرؤ على النّظر مباشرةً في عين الخوف.” وهي جملة ثابتة في كل أجزاء السلسلة، توحي بخرق الطبيعيّ والخروج عنه في القصّة اللاحقة أيضا. إذن تقود القاصةُ قارئها عبر عتبات قصصها إلى عالم الغموض والدهشة ما بين الخوف والاستكشاف…

كعنصر متكرر في أعمال القاصة فاتن، تقنية سردية فعالة في جعل النصوص ذاتية أو مركزية وأكثر مصداقية، فضمير المتكلم “أنا” أكثر إقناعا للقارئ وأكثر جذبا إلى أحداث القصة، كما يوحي بالمشاركة في الحدث. ففي منتصف الليل مع بداية الفصل الأول تقول القاصة: “بدأ كل شيء في يوم بدا عاديًا تمامًا… إلى أن دخل الدكتور وائل المستشفى. وجوده لم يكن نادرًا، لكنه هذه المرة لم يأتِ بسبب حالة طارئة، ولا لزيارة مريض في العناية… بل جاء من أجلي أنا تحديدًا.” وفي نداء ما بعد الموت بدأت روايتها بـ” في سنة 2019، انتقلنا للعيش في تلك الفيلا. كان عمري آنذاك عشرين عامًا”، أمّا في على حافة الغياب فقد بدأت بالتعريف بالشخصية الرئيسة: “أنا ريما. ماذا أعمل؟ أعمل مع الشرطة. وما طبيعة عملي؟ أنا وسيطة روحانيّة.” كل القصص إذن تُروى بضمير المتكلم لتَحْبِك خيوط الحميمية بين المتلقي ومرسله، وتؤنسن السرد وتحدِّد وجهة نظر القارئ في نص لا يعرف ساردُه أكثر مما تعرفه الشخصية (رؤية مصاحبة أو رؤية مع). في القصة الأخيرة، تلجأ القاصة إلى أسلوب الالتفات فتوجه حديثها إلى المتلقي مباشرة، لشدّ الانتباه ونقله مباشرة إلى قلب الحدث باستخدام ضمير المخاطب: “نعم، أعلم ما تفكرون به الآن. وسيطة روحانيّة؟ الأمر يبدو غريبًا، وربّما مريبًا، لكن لكلّ شيء بداية، وبدايتي كانت في ذلك اليوم الذي سمعت فيه حديث أهل القبور.”.

تلجأ القاصّة كما هو دأب قاصيّ البارانورمال، إلى بناء الغموض بالتدريج، ببناء جسر بين الواقع والخيال، تلك المنطقة الرمادية التي تجعل المتلقي أو الشخصية نفسها يتساءلان: “هل ما يحدث حقيقة أم خيال؟” فعند منتصف الليل قبل أصوات إطلاق الرصاص ودقات الساعة، كان الحضور المريب لابتسام التي تملك مفتاح أسرار القصر. ثم تكرار الطقوس الليلية من صراخ وأصوات ورصاص ودقات ساعة إلى صمت تام. وفي نداء الموت كان الإحساس بالانقباض عند رؤية القصر هو مدخل الحكاية، قبل الاعتماد على الأحلام التي تُعتبر أيضا نقطةً بينية ما بين الواقع والخيال!!

تسير القصص عند فاتن فهد عبر خطّ زمني طبيعيّ، يتخلّله سرد الماضي ما بين رؤى -أحلام- وقصّ شهود على الحوادث الغامضة، وعبر هذا المسار اللين ترمي القاصة من حين إلى آخر مشابك تشدّ انتباه القارئ سواء كلمات أو أحداث، وذلك من خلال هندسة النص مشهديا وبلاغيا، كاستعمال لفظة وفجأة… ثم العودة إلى السطر، لاستكمال النص أو لبداية فصل جديد، وأن تستعمل كلمة: ورأيته…

ثم سمعته…

كان هناك…

كلها كلمات تصنع مشاهد ريبة ترفع من مستوى آلية التشويق.

في كلّ نصوصها تعمد القاصّة إلى التصعيد من أجل إثارة القارئ، كتغيير مسار الحدث، أو المكان المؤنسن الذي يتراوح ما بين غرف قصر السيّد وصفي والحديقة، والفيلا وقصر السيد وسام، والمقبرة والمستشفى… هنا علينا أن نذكر بأن تلك الأماكن هي نقاط عبور من حال إلى آخر، وفي حالة المقبرة تحديدا تعتبر نافذةَ عبور إلى الخلاص، حرفيا لا مجازا!!

وتصنع فاتن فهد نهايات قصصها بطريقتين: نهاية كاملة يغلق فيها ملف القضية كما هو الحال في عند منتصف الليل، وفي نداء ما بعد الموت بانتحار وسام/وليد، أو نهاية مفتوحة في على حافة الغياب متمثلا بظهور العروس مستغيثة بريما بعد حل أزمة غيث وانتقاله إلى العالم الآخر، والجدير بالذكر أن في هذه القصة تتمثل لنا ظاهرة الاقتراب من الموت NDE وهي من ظواهر البارانورمال التي لا يمكن نفيها أو إثباتها!!

تتبنى القاصة فاتن فهد أسلوب الفنون التصويرية مثل السينما، فتغدو كتاباتها أقرب إلى السيناريو منها إلى النوفيلا أو القصة، لذلك نجد حضور المشهدية التصويرية قويا جدا في كل الأعمال، وبهذا الأسلوب تتولّد لدينا الإثارة التي تدعم بقوة عنصرَ التشويق وصناعتَه بحبكة عالية.

وأدب البارانورمال كما يتضح لنا من خلال كتب فاتن فهد، أدب يسمح لنا بالانفلات من الواقع القاسي إلى الخيال المؤنس رغم تأزم أحوال الحكايات، ففي الخيال لنا حياة!!!

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!