فتنة للروائية المغربية رجاء البقالي الطاهري

بقلم الروائية عنان محروس

سأبدأ قراءتي بفقرة أنهيت بها الإضاءة السابقة في حفل إشهار سام والمقبرة المهجورة، منذ ما يقارب عامٍ مضى، وقد أسعدني الإطلاع عليها والكتابة عنها…
خاطبتُ الروائية رجاء على منصة الاحتفال حينها، بلغة الجآن قائلة:
يا إنسية، سأمهلك ثلاثمائةَ وخمسَ وستون شمسًا، لتُتحفي مخيلتنا بإصدار مبدع جديد،
وهاهي ذا كما توقعتُ تمامًا، ولم يكن سقف تنبؤاتي بمثابرة رجاء البقالي الطاهري إلّا في مكانه، واليوم نقرأ إنجازًا جديدًا عزّز ثقتي وإعجابي بما تكتبه، وسأعرض انطباعي عنه، بعد التذوق الأدبي للنص وماترك بي من إحساس صادق عفويّ، أثّر بالفعل في وجداني…
الظهور الخاطف لفتنة الساحرة في نهاية الرواية السابقة، وقفزها بجدارة لتكون على أهبّة رواية جديدة تحتلها بكلّها مبتدأة بعتبة العنوان، لهو ذكاء روائي وقدرة عالية على بناء حبكة قوية عبر تطوير شخصيات عميقة وصياغة أحداث مؤثرة، تربط بين تفاصيلها المزدحمة بالأسماء والأحداث والأماكن وتخلق عالمًا متناسقًا يجذب القارىء وتجعله يعيش القصّة بكامل حواسه ومشاعره، بمفاجأتها المقنِعة والنهايات المترابطة…
إيقاع روائي متسارع حينًا و متباطىء أحيانًا، حسب المزاجية للشخوص والمشاعر الذاتية اللحظية للروائية، لكن بدون أدنى شك تكاملت عناصر العمل، حيث عقدت رجاء صفقة بين الدهشة والانفعال، وبين العقل والمادة الخيالية.

فتنة، والفتنة أشدّ من القتل، حارقة بغضب مكتوم، تُسقط الممالك وتُهلك الاجساد والأنفس…
فتنة، عتبة الرواية الأساسية، وكما نعلم أن العنوان الجيد هو أفضل سمسار لانتشار العمل الأدبي، هو نص موازي للفهم الأولي للمحتوى…
العوالم العديدة المتفرقة في الكون المستور، من عفاريت وساحرات وجن مسلم، خلقتْ ملحمة لكائنات لا تُرى بعين الإنس، إلا لمن شاء الله له ذلك بكشف المستور من العوالم.
صراعات أساسها الطمع والحقد والغيرة، والخداع نبراس صراع المهزومين مهما نالوا من نصرٍ زائف في البداية…
احتفظت الكاتبة رجاء بالعديد من أبطال روايتها السابقة على قيد الحدث، ظلّت مخلصة لهم، مثل سام، فتنة، كاسر، جميلة، رشيقة وغيرهم، وضمّت لهم شخصيات جديدة و أبرزهم الساحرة ميشان، وبقيت العبرة الأساسية نفسها، وبقيّ الشجعان شجعانًا والأنذال أنذالًا، وليس كل مايُرى يُصدق، تمامًا كعالمنا الإنسيّ.
الأقنعة تخفي الكثير، وتعددت العلاجات الروحيّة في كشفها والعلاج منها، بلا جدوى، فالسيطرة والطمع والتحكم غلبوا الحكمة وقيدوا المعرفة.

الخرائط ، الرموز، الطلاسم، الطبقات، الألواح والممالك، أمانات لا تُرسم على ورق، بل تُحفظ سرًا مدفونًا صامتًا في الصدور، وكما قالت الروائية رجاء على لسان بطلة من الشخوص، ( كأن الخشب نفسه، تعلّم الصمت)، فهل ستُفضح الأنساب المزوّرة، وهل سيّسترق السمع للمؤمرات والخطط الكبرى المحاكة في سريّة مطلقة؟، هذا ما ستخبركم به رجاء في نهاية روايتها.
لفتني أيضًا فكرة تحذيرية مغلّفة بوجوب المنع التام، عن صداقة الإنس مع الجان ، التي لا تجلب سوى المشاكل ، مثل سام وسارة وعشقهما الذي ربمّا أصابه الوافر من العقبات، وجميلة المهجنة وفتنة وميشان، فكيف إذا حضّرنا القرين مجتمعًا مع ساحرة إنسية وجنيّة علوية، ناهيك عن العرافات وحالات التلبس؟، دمارٌ كارثي يصيب الثقلين…
فلنترك الستار مغلقًا

العتبات الداخلية لفصول الرواية، تشي بما أنت مقدم عليه من التهام عقلك للقادم من سحرٍ يغوص في عمق الحبكة، واخترت من العنوانات الخمسة والثلاثين،
الدم والوعد، تابوت العهد ، قلادةً التحصين، الدماء المقدسة، رحيل سيد الظلام، خاتم الحكمة، القمر الدموي، وقيد الفتنة… عنوانات واضحة الدلالة في سيميائية النص لاستخلاص المعنى العميق الخفي.
أما تراكيب العبارات والصور الفنيّة، فقد تجاوزت البراعة المعتادة، لتخدم برمزيّتها الفكرة العامة وتعززها مثل:
في صفحة ٦9، سنشتغل معًا، أنت حيث يظنون أن العجز نهاية، وأنا حيث يظنون أن السحر مجرد بداية.
وأيضًا،
في بابل سيُزرع الصبر والمعرفة في الجسد المسبي.
ومن صفحة ٩٧ من الرواية
كانت تعرفُ أنّ القيد الحقيقي ليس في السلاسل وحدها، بل في اللحظة التي ينسى فيها المسبي اسمه ولغته وأرضه الذي جاء منها..

لم ترسم دوائر ولم تذبح القرابين، كان طقسها أبسط من ذلك، همسةٌ تنتقل من فم إلى فم ، وربمّا من حلم إلى آخر…
وكما قالت الجدات بالعامية، الزّن أقوى من السحر

لم يتوانى الحب عن الظهور في فصول الاسطورة ، حيث تربعت الرومانسية والعاطفة بين الأسطر وعلى لسان الجنيّ كاسر صفحة١٣٧، الحب يا ولدي، أن تزرع قلبك في جسد غير جسدك وتسقيه بأنفاس المحب.

وفي رواية فتنة، كل الكائنات عاشقة، فهل لعشق سام وسارة من فرصة سانحة لسبر أغوار أحداث جديدة من رواية قادمة ؟ وهل لفتنة الأسطورة، الساحرة المتفردة العظيمة من سبيل للانفلات من عقاب كبير متوّقع، إلى عقاب أكبر، وهو عطاء الحكمة والعلوم دون الإخضاع، حيث تتحول المعرفة إلى قيد والقوّة إلى عبء، اسطورة تعلم لكنها عاجزة عن عبور عتبة التدخل أو الاقتراب، وما أصعب أن نعلم ولا نفعل شيئًا…

أخيرًا
لأكون ملتزمة الحيادية في قراءتي، لابدّ من التنويه، في الرواية تشابكت المعلومة والحدث وإظهار مشاعر الخوف والفرح والصراعات الداخلية والعمق النفسي، وتداخل الشخوص والأماكن والأزمان، واشتباك وفرة الأسماء وتعدّد النعوت، كل ماسبق يُدخل القارىء في متاهة غير مستحبّة بالنسبة لي عند قراءتي لأي رواية واقعية أو تاريخيّة أو فلسفية، لكن، في حال وقوع هذا الاشتباك المربك، والإسهاب في التفاصيل في رواية تحمل أساطير الجان والسحرة، فهو مقبول نوعًا ما، ولا ضير منه، ولفتازيا الخيال طقوسها،
ولا ننكر أن (فتنة ) رواية من عالم آخر لا يمت لبشريتنا بصلة، ومن يحالفه الحظّ بقراءة صفحاتها التي قاربت الثلاثمئة، عليه أن يُعدّل من تواترات دماغه ويضبطها لاستلام إشعارات وخرائط ذهنية ومثيرات عصبيّة، لذلك أنصح القراء بممارسة تمارين التنفس العميق لتهدئة حماس نبضات الفكرة المبتكرة في هذه الرواية.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!