هطل المطر فجأة بلا استئذان، ففرّ الناس منه مذعورين.
يا لسذاجة هروبهم.
كنت وحدي أسير تحت خيوطه الفضية، أتلقى البلل عن طيب خاطر. الحياة التي خبت في عيني استفاقت، وشعرت أنني معلقة في منتصف المسافة بين السماء والأرض، أقرب إلى السماء حيث النقاء والصفاء والسكينة التي لا يمنحها البشر.
لأول مرة أدركت أنني كائن حي بحق. لي قلب ينبض، ولي حواس تصحو. غسلتني قطرات المطر من هموم السنين، ومحَت عني غبار الأيام، وطهرتني من الداخل كما يُطهر الغيم وجه الأرض العطشى.
حضر في ذهني وجهان لا يغيبهما الزمن: أبي رحمه الله، ورجل أهداني الأمان قبل أن يهديني الحب. كانا زادي من عمر طويل لم أطلب منه سوى راحة بال وطمأنينة روح.
وهأنذا أبيع الدنيا وزخرفها، مقابل نسمة فرح تمر بي، ومقابل قطرة مطر تداعب روحي وتوقظها من سباتها.
كنت أسير في أرض لا تشبه أرضنا. حولي فراشات ترف بخفة، وأشجار خضراء تهمس للريح، وبستان من ورد وزهر يفتح لي دروبه.
ومضيت أبلل خطواتي بالذكرى، أحمل أبي في دعائي، وأحمل من منحني الأمان في قلبي..
وأمشي . . .
وأمشي . .
كأن المطر يمهد لي طريقًا إلى الحب والسلام..
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية