بقلم: إيثار عزيز
بالأمس… جرّبتُ عقارَ النسيان.
ألقيتُ في اليمِّ
كلَّ ما يمتُّ إليك بصلة:
الرسائل،
الصور،
والأيام التي كانت تتوكأ على اسمك.
لكنَّ اليمَّ أعاد إليَّ تابوتي،
كما أعاد الله موسى إلى أمِّه،
كي تقرَّ عينُها به.
……
لن أتعافى منك.
عندما فتَّشوا في الشفرةِ الأولى لخلاياي،
لم يعثروا على أثرٍ لك…
بل وجدوا
أنني منذ البدء مكتوبةٌ بك.
…….
لن أتعافى منك.
لم أتلقَّ لقاحًا
يُحصّن القلب من عدوى حضورك.
أنت،
كحبرِ وشمٍ قديم،
ذاب في دمي،
فصار نبضي يقرأ اسمك
قبل أن يقرأ اسمي.
لهذا…
يصعب نسيانك،
ويستحيل عصيانك،
فالذي يسكن الدم،
لا تقتلعُه الذاكرة.
…..
لن أتعافى منك…
بالأمس شربتُ كأس النسيان
حتى آخر قطرة،
ورميتُ في اليمِّ رسائلك،
وصورك،
والطرق التي كانت تؤدي إليك،
وأغلقتُ الباب
في وجه كلِّ ذكرى
تحمل رائحة أنفاسك.
لكنَّ البحر أعادني إليك،
كما أعاد الله موسى
إلى حضن أمِّه،
وكأن القدر
لا يجيد إلا كتابتك
على صفحة أيامي.
…..
لن أتعافى منك…
فتَّشتُ في دمي
عن امرأةٍ
كانت تسكنني قبلك،
فلم أجد غير قلبٍ
ينبض على إيقاع اسمك.
وقرأتُ خرائط روحي،
فاكتشفتُ أن ملامحك
هي اللغة السرية
التي خُلقت بها روحي.
……
لن أتعافى منك…
فلا دواء
يشفي عاشقًا
صار حبيبه جزءًا من تكوينه.
أنت وشمةُ الضوء
التي ذابت في عروقي،
كلما حاول الزمن أن يمحوها،
ازدادت زرقةً واتسعت
لهذا…
لن أنساك،
لأنني إن نسيتك
سأفقد الطريق إلى نفسي.
ولن أعصاك،
لأن القلب حين يختار وطنه،
لا يعرف منفىً آخر.
القراءة
ليست هذه القصيدة نصًا عن الحب بقدر ما هي تأملٌ في تحوّلات الهوية حين يغدو الآخر جزءًا من البنية الداخلية للذات. فالشاعرة لا ترثي فراقًا، ولا تشكو غيابًا، بل تعلن منذ الجملة الأولى حكمًا وجوديًّا: «لن أتعافى منك.» وهي عبارةٌ تنقل الحب من حيّز الشعور إلى حيّز التكوين؛ إذ اختارت فعل التعافي بدل النسيان، وكأن العشق لم يعد حالةً عابرة، بل تركيبًا عضويًا يستحيل الشفاء منه.
وتبرز براعة الشاعرة في بناء شبكةٍ من المجازات تتصاعد في نسقٍ واحد؛ فاليمّ لا يمحو الذكريات، بل يعيدها، في استثمارٍ ذكي للتناص مع قصة موسى عليه السلام، حيث يتحول الفراق إلى وسيلةٍ للعودة. غير أن أجمل انعطافات النص تكمن في انتقاله من الصورة الوجدانية إلى الصورة الوجودية، حين تقول:
«عندما فتَّشوا في الشفرة الأولى لخلاياي… وجدوا أنني منذ البدء مكتوبةٌ بك.»
هنا يغادر الحب حدود الذاكرة ليصبح جزءًا من الشفرة الأولى للكينونة، فلا يعود الحبيب ذكرى، بل أصلًا من أصول التكوين.
كما أن استعارات الدم، واللقاح، والوشم، لا تأتي للزخرفة، وإنما تؤسس لفكرةٍ مركزية مفادها أن ما يسكن الجسد لا تملك الذاكرة سلطةً عليه. ومن هنا تكتسب العبارة: «فالذي يسكن الدم، لا تقتلعُه الذاكرة.» ثقلها الفلسفي، إذ تميّز بين ما يُحفظ في الذهن وما يُكتب في الكيان.
أما اللازمة المتكررة: «لن أتعافى منك.» فلا تؤدي وظيفة الإيقاع فحسب، بل تتنامى دلاليًا؛ إذ تضيف الشاعرة في كل عودة برهانًا جديدًا، حتى تتحول الجملة إلى يقينٍ وجودي، لا مجرد اعترافٍ عاطفي.
وتبلغ القصيدة ذروتها في خاتمتها:
«لأنني إن نسيتك سأفقد الطريق إلى نفسي.»
فهنا تنقلب المعادلة؛ إذ يصبح الحبيب طريقًا إلى الذات لا إليها، ويغدو النسيان فقدانًا للهوية قبل أن يكون فقدانًا للعلاقة.
فنيًا، نجحت الشاعرة في المزج بين المعجم القرآني، والطبي، والبيولوجي، والوجداني، ضمن بناءٍ متماسك يخدم رؤيةً واحدة، وهو ما منح النص وحدته الداخلية وعمقه التأويلي. ولعل الملاحظة الوحيدة أن بعض المقاطع تعيد الفكرة ذاتها بصور متقاربة، وكان يمكن لاختزال بعضها أن يزيد النص تركيزًا ويضاعف أثره.
إن القيمة الحقيقية لهذه القصيدة لا تكمن في إعلان استحالة النسيان، بل في جرأتها على تصوير الحب بوصفه قدرًا سابقًا على الذاكرة، وأعمق من الإرادة، حتى يغدو الإنسان، في نهاية المطاف، مكتوبًا بمن يحب قبل أن يكتبه الزمن…
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية