إبراهيم أبو عواد ( الأردن )
في عالَمٍ يزداد قسوةً كُلَّ يوم، يبدو الإنسانُ أكثرَ هَشاشةً مِمَّا يَظُن. المدنُ تكبر، والضجيجُ يعلو، والتكنولوجيا تتوحَّش، لكن القلبَ البشري يبقى ذلك الكائن المرتجف الذي يخاف الوَحدةَ، ويبحث عن معنى، ويحتمي بالأحلام الصغيرة من الانهيار الداخلي الذي لا يراه أحد. ولعلَّ الأدب هو ذلك الفن القادر على كشف هذه الهشاشة العميقة دُون خَطابة أوْ ضجيج، بلْ عَبْرَ التفاصيل الصغيرة، والعابرين المنسيين، والصمتِ الطويل الذي يسكن الأرواحَ.
مِن بَين الأصوات الروائية المعاصرة التي استطاعتْ أن تلامس هذا الجُرْحَ الإنساني العميق، يبرز اسمُ الروائي السوداني أمير تاج السر ( وُلد 1960 م )، والروائي الياباني هاروكي موراكامي (وُلد 1949م ). ورغم اختلاف الجُغرافيا والثقافةِ واللغةِ، فإنَّهما يلتقيان عند نقطة مركزية: الإنسان كائن هَش، وحيد، مُرتبك، يعيش في عالَمٍ أكبر مِن قُدرته على الفهم.
لا يكتب أمير تاج السر عن الأبطال العِظَام،ولا عن الشخصيات المنتصرة.أبطالُه غالبًا كائنات مسحوقة ومنسية، تعيش على هامش الحياة، موظفون بسطاء، مرضى، بائعون، مهاجرون، أشخاص لا يَلتفت إليهم أحد. إنهم بشر يعيشون في الظل، لكنَّ الكاتب يمنحهم فجأةً مركزَ الضوء، وكأنه يقول إن المأساة الحقيقية للعالَم لا تسكن القُصورَ، بل الأزقة المنسية والقُلوب المُتعَبة.
في المقابل، يصنع هاروكي موراكامي أبطالَه بالطريقة ذاتها تقريبًا. رجال عاديون، موظف يستمع إلى الموسيقى وحده، شاب يطهو المعكرونة بصمت، امرأة تختفي بلا تفسير، شخص يمشي في المدينة دون هدف واضح. لكن خلف هذا العاديِّ تختبئ هُوَّةٌ هائلة من القلقِ الوجوديِّ والوَحدةِ والانكسارِ الداخلي.
يُدرك الكاتبان أن الإنسان لا ينهار دائمًا بسبب الحُروبِ الكُبرى أو الكوارثِ العنيفة، بلْ قدْ يتحطم بِبُطء بسبب العُزلة، والرتابة، والخِذلانِ اليَومي، والشعورِ الغامض بأن الحياة تفقد معناها شيئًا فشيئًا.
الوَحدةُ عند أمير تاج السر لَيست مُجرَّد حالة نَفْسية، بل تكاد تكون قَدَرًا اجتماعيًّا. شخصياتُه تعيش وسط الناس، لكنها معزولة عنهم. المُدُنُ مزدحمة، لكنَّ الأرواح فارغة، حتى العلاقات الإنسانية تبدو عاجزةً عن إنقاذِ الإنسان من سقوطه الداخلي. هُناك دائمًا مسافة خَفِيَّة بين البشر، ومساحات باردة لا يستطيع أحد عُبورَها.
أمَّا عِند هاروكي موراكامي، فإنَّ الوَحدة تتحوَّل إلى عالَم كامل. شخصياتُه لا تخاف الوَحدةَ فقط، بلْ أحيانًا تتصالح معها، وتسكنها كما يَسكن الناسُ بُيُوتَهم. الوَحدةُ عنده لَيست غيابَ الآخرين فَحَسْب، بَلْ هي شُعور غامض بانفصالِ الإنسان عن العالَم نَفْسِه. ولذلك تبدو شخصياته وكأنها تتحرك داخل حُلْم طويل، أو داخل نفق نَفْسي لا نهاية له. لكنَّ الفارق الجَوهري أن أمير تاج السر يربط هذه الوَحدةَ غالبًا بالواقعِ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، بَينما يجعلها هاروكي موراكامي أزمةً وجودية كَونية، تتجاوز المجتمعَ لتصل إلى معنى الحياةِ ذَاتِه.
يَجمع الكاتبَيْن تَوَتُّرٌ غريب بين الواقعي والغرائبي. في روايات أمير تاج السر، يبدو الواقعُ أحيانًا أكثر عبثية من الخيالِ نَفْسِه. هُناك أحداثٌ غير منطقية، وشخصيات مُشوَّهة نَفْسِيًّا، ومواقف تتأرجح بين السُّخريةِ والكابوس. لكنَّه لا يغادر الواقعَ تمامًا، بلْ يَجعل القارئَ يشعر أن الحياةَ نَفْسَها تَحمل قَدْرًا من الجنونِ الخَفِيِّ.
أمَّا هاروكي موراكامي، فإنَّه يذهب أبعد في هذا الاتجاه. الآبار العميقة، القِطَط المُتكلمة، العوالم المُوازية، الاختفاءات الغامضة، كُلُّها عناصر تَجعل القارئَ غير قادر على الفصلِ بين الحقيقةِ والحُلْمِ. ومعَ ذلك، فإنَّ هذه الغرائبية لَيست هُروبًا من الواقع، بلْ مُحاولة لفهمه. والإنسانُ يعيش داخل مَتاهة نَفْسية يصعب تفسيرها بالعقل وحده. والغرابةُ عند الكاتبَيْن لَيست زينة فنية، بل وسيلة للكشف عن هَشاشةِ الإنسانِ أمامَ عالَم غير مفهوم.
بِحُكم خلفيته الطبية، يمتلك أمير تاج السر قُدرةً استثنائية على تصوير الجسدِ البشري بوصفه مساحةً للألمِ والانهيار. المرض، التعب، الشَّيخوخة، العجز، كُلُّها حاضرة بقوة في أعماله. لكنَّه لا يكتب الجسدَ بطريقة بيولوجية باردة، بلْ يَجعله مِرآةً للروحِ المنكسرة.
يهتمُّ هاروكي موراكامي أكثر بالجِراحِ النَّفْسيةِ غير المرئية، الاكتئاب، الفقد، الذكريات الثقيلة، الانفصال الداخلي. شخصياتُه تبدو سليمة من الخارج، لكنَّها تتآكل من الداخل بصمتٍ قاتل.
ويلتقي الكاتبان حول فِكرة مركزية واحدة: الإنسان هَش، سواءٌ انهارَ جسدُه أوْ رُوحُه، وسواءٌ جاءَ الألمُ من الخارج أوْ مِن أعماقه الخاصَّة. ويُدركان أن الإنسان لا يستطيع النجاةَ دُون قليل مِن السُّخرية، لأنها آخر دفاعاته أمام قَسوةِ العالَم. ومعَ هذا، فَهُمَا لا يُقَدِّمان حُلولًا كُبرى. لا تُوجد نِهايات بُطولية، ولا انتصارات كاملة، ولا يقين مُطْلَق. لكنَّهما يَمنحان القارئَ شيئًا أكثر عُمقًا: الاعتراف بضعف الإنسان، وأنَّ الهشاشة جُزء أصيل من التجربة البشرية. وتبدو الكتابةُ عِندهما كأنها مُحاولة هادئة لإنقاذ الإنسانِ من الغرق الكامل، لَيس عبر القوة، بل عبر الفهم والتأمُّل.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية