إلقاء اللوم على الآخر: قراءة سوسيولوجية في التبرير بوصفه آلية للهروب من المسؤولية

بقلم:د. جوتيار تمر 

 

لا يمثل إلقاء اللوم على الآخر مجرد استجابة نفسية عابرة للفشل، ولا يقتصر على كونه وسيلة أخلاقية للتنصل من الخطأ، بل يعكس واحدة من أكثر الآليات الاجتماعية تعقيدا في تنظيم العلاقات بين السلطة والأفراد، فحين يتعرض فرد أو مؤسسة أو دولة لأزمة تهدد صورتها أو مكانتها، لا يكون الصراع الحقيقي حول الحدث ذاته، بل حول تفسيره، فالوقائع، مهما بلغت درجة وضوحها، لا تتحدث بنفسها، وإنما تحتاج دائما إلى من يمنحها معنى، ومن ينجح في احتكار هذا المعنى ينجح، في الوقت نفسه، في إعادة توزيع المسؤولية وتحديد من يستحق اللوم ومن يستحق البراءة، ولهذا لا ينشغل علم الاجتماع بالسؤال التقليدي: من أخطأ؟ بقدر انشغاله بالسؤال الأعمق: كيف تتحول الأخطاء إلى روايات؟ وكيف تتحول الروايات إلى حقائق اجتماعية يصعب الطعن فيها؟.

تكمن أهمية هذا السؤال في أن الإنسان لا يعيش داخل عالم من الوقائع الخام، بل داخل عالم من المعاني التي تنتجها اللغة والثقافة والمؤسسات، فالحدث لا يصل إلى الوعي الجمعي كما وقع، بل كما أعيدت صياغته وتداوله، ومن هنا جاءت مساهمة بيتر بيرغر وتوماس لوكمان، اللذين بينا أن الواقع الاجتماعي ليس معطى طبيعيا، بل بناءً تاريخيا يتشكل باستمرار عبر التفاعل الاجتماعي، ثم يكتسب مع الزمن صفة البداهة حتى يبدو وكأنه حقيقة مستقلة عن الذين صنعوه، وإذا كان الواقع نفسه نتاجا لعمليات البناء الاجتماعي، فإن خطاب التبرير لا يعود مجرد محاولة لتفسير الفشل، بل يصبح إعادة بناء للواقع بطريقة تسمح بإعادة توزيع المسؤولية،  فالفاعل لا ينكر وقوع الإخفاق دائما، لكنه يعيد تفسيره بحيث يبدو نتيجة لعوامل خارجية أو ظروف استثنائية أو أخطاء ارتكبها الآخرون، وبذلك يتحول الفشل من مناسبة للمساءلة إلى مناسبة لإعادة إنتاج الشرعية.

ولعل هذا ما يفسر مفارقة تبدو واضحة في حياة المجتمعات؛ فالأخطاء تكاد تكون متشابهة في معظم النظم السياسية والاقتصادية، لكن الروايات التي تفسرها تختلف جذريا،  فالمجتمعات التي تمتلك مؤسسات راسخة للمساءلة تبدأ بالسؤال عن القرار وآليات صنعه ومسؤولية من اتخذه، بينما تميل المجتمعات التي تضعف فيها ثقافة المحاسبة إلى البحث أولا عن متهم بديل، وهنا لا يعود الآخر مجرد شخص أو جماعة، بل يتحول إلى ضرورة رمزية تضمن استمرار الثقة بالمركز، فكلما تعذر تفسير الفشل بوصفه نتيجة لخلل بنيوي، ازدادت الحاجة إلى إنتاج رواية تجعل المسؤولية خارج النظام لا داخله.

غير أن بناء الرواية لا يفسر وحده سبب تمسك الفاعلين بها، وهنا تبرز أهمية تحليل إرفنغ غوفمان، الذي نظر إلى الحياة الاجتماعية بوصفها مسرحا لا يتوقف، يؤدي فيه الأفراد والمؤسسات أدوارا مختلفة أمام جمهور دائم المراقبة، فالفاعل الاجتماعي لا يدير أفعاله فقط، بل يدير أيضا الانطباعات التي يتركها لدى الآخرين، لأن المكانة لا تقوم على ما يفعله الإنسان وحده، بل على الكيفية التي يدرك بها الآخرون ذلك الفعل، وعندما تتعرض هذه الصورة للاهتزاز بسبب الفشل، يصبح الاعتراف مخاطرة تهدد الهوية الاجتماعية، فتبدأ عملية إعادة إخراج المشهد، بحيث يبدو المسؤول ضحية للظروف، أو قائدا خانه المحيطون به، أو مصلحا أعاقته العوائق، وهكذا لا يغدو التبرير مجرد كذب أو خداع، بل ممارسة اجتماعية لحماية الصورة التي يقوم عليها الاعتراف الاجتماعي، ويجد هذا التحليل امتداده في تقليد التفاعل الرمزي، الذي يرى أن الناس يتصرفون إزاء المعاني التي يصنعونها هم أنفسهم، لا إزاء الوقائع المجردة، ولذلك يصبح تغيير معنى الحدث أحيانًا أكثر أهمية من تغيير الحدث نفسه.

لكن حماية الصورة ليست هدفا في ذاتها، بل وسيلة لحماية ما يسميه بيير بورديو الرأسمال الرمزي، فالمكانة الاجتماعية ليست مجرد احترام معنوي، بل مورد يمنح صاحبه الاعتراف والنفوذ والقدرة على التأثير، ولهذا فإن الاعتراف بالإخفاق لا يمثل خسارة أخلاقية فقط، بل يهدد أحد أهم موارد السلطة، فالسياسي الذي يبرر فشله، أو المدير الذي يحمل موظفيه مسؤولية الإخفاق، أو المؤسسة التي تلقي اللوم على الظروف، لا تدافع عن صورتها فحسب، بل عن الرأسمال الرمزي الذي يمنحها القدرة على الاستمرار، وهكذا يغدو التبرير ممارسة تعيد إنتاج علاقات القوة بقدر ما تعبر عنها، لأن نقل المسؤولية إلى الآخر يسمح للمركز بالحفاظ على شرعيته ومكانته داخل المجال الاجتماعي.

غير أن الرأسمال الرمزي لا يمكن أن يستمر من دون شرعية تمنحه الاعتراف، ولذلك يقودنا تحليل بورديو مباشرة إلى ماكس فيبر، الذي جعل الشرعية الركيزة الأساسية لفهم السلطة، فالسلطة، بحسب فيبر، لا تستمر لأنها تمتلك وسائل الإكراه وحدها، بل لأن الناس يؤمنون بحقها في ممارسة السلطة، ومن هنا يصبح الفشل خطرا مضاعفا؛ لأنه لا يهدد الأداء فقط، بل يهدد الاعتقاد الاجتماعي الذي تستند إليه السلطة، ولذلك لا يسعى الخطاب التبريري إلى إنكار الفشل بقدر ما يسعى إلى إعادة تفسيره بطريقة لا تمس المصدر الذي تستمد منه السلطة مشروعيتها، فالمطلوب ليس أن ينسى الجمهور ما حدث، بل أن يفهمه ضمن رواية تحافظ على الثقة بالنظام.

غير أن ميشيل فوكو يدفع هذا التحليل خطوة أخرى إلى الأمام، حين يرى أن السلطة لا تكتفي بالدفاع عن شرعيتها، بل تنتج أنظمة الحقيقة التي تقوم عليها تلك الشرعية نفسها، فالسلطة لا تمارس نفوذها عبر القوانين والأجهزة فحسب، بل عبر تحديد ما يعد حقيقة، ومن يمتلك حق تفسيرها، ومن يستبعد من دائرة المصداقية، ومن هنا يصبح التبرير أكثر من مجرد خطاب دفاعي؛ إنه عملية لإنتاج حقيقة بديلة، تتكرر حتى تغدو أكثر حضورا من الوقائع ذاتها، فيتحول الصراع من صراع على المسؤولية إلى صراع على تعريف الحقيقة نفسها.

غير أن أخطر ما في ثقافة إلقاء اللوم لا يتمثل في ظلم الأفراد الذين يتحولون إلى متهمين، بل في الطريقة التي تعيد بها تشكيل وعي المجتمع بنفسه، فالمجتمع الذي يعتاد تفسير كل أزمة بوصفها خطأ ارتكبه الآخر، يفقد تدريجيا قدرته على رؤية بنيته الداخلية، ويصبح عاجزا عن التعلم من أخطائه، لأن التعلم لا يبدأ بالبحث عن مذنب، بل بفهم الشروط التي أنتجت الفشل.

ولهذا لا تتمايز المجتمعات بكونها تقع في الأخطاء أو تنجو منها، فذلك قدر ملازم لكل تجربة إنسانية، وإنما تتمايز بالطريقة التي تواجه بها تلك الأخطاء.. فهناك مجتمعات تجعل من الاعتراف بداية للإصلاح، وأخرى تجعل من التبرير بداية لدورة جديدة من الإخفاق، وبين هذين المسارين يتحدد الفرق بين مجتمع ينظر إلى الحقيقة بوصفها فرصة للمراجعة، وآخر يتعامل معها بوصفها خطرا ينبغي إخفاؤه، وما دام البحث عن مذنب أسهل من البحث عن سبب، فإن ثقافة اللوم ستظل قادرة على إنتاج مزيد من الضحايا، لكنها لن تنتج مجتمعا أكثر فهما لذاته، ولا أكثر قدرة على إصلاحها.

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!