حين هبط علينا هذا البلاء الذكي، شعرت للحظة أن العالم أصبح ساحة واسعة، اغلقت فيها النوافذ فجأة..
تبلّدت أحرفي ،ليس لأنني عجزت عن الكتابة، بل لأن المعنى ذاته سُرق مني…
صرت أرى نصوصا تولد كالفطر بعد المطر، مصقولة، أنيقة، تتدفق جملًا محبوكة لا تشكو عيبًا…
لكنها باردة، بلا روح، بلا رجفة يدٍ أو أرق ليلة.
المأساة ليست في الأداة ذاتها، المأساة ياسادة في الغثاء الذي طفا على السطح. صار كل من هب ودب كاتبا بل كاتبا ينضر علينا نحن من نكتب من دواخلنا ..
تجده يطلب من الآلة مقالًا فيأتيه كالوجبة السريعة ساخنة مليئة بالتوابل الصناعية، لكنها خاوية من العناصر الحقيقية.
إن ناقشت أحدهم لوجدته أجوف كطبل فارغ، صوته عال لكنه لا يحمل بداخله سوى صدى أسئلة لم يفكر فيها يومًا ولم يعيها قط..
الكتابة عندي لم تكن مجرد حروف تصف إلى جوار بعضها..
الكتابة كانت بالنسبة لي مخاضًا، وجعًا، نشوة، هزيمة وانتصاراً في آن..
كنت أكتب لأن بداخلي ما يفيض، لأن سؤالًا يؤرقني، لأن فكرة تلح عليّ كطفل جائع..
أما الآن فنحن أمام جحافل من المؤلفين الذين يظنون أن سر المهنة يكمن في أمر يُعطى «اكتب لي مقالًا عن… وكأن الكتابة وصفة طبخ…
صمتي اليوم ليس هزيمة، بل هو تأمل..
إنه الفضاء الذي سأعيد فيه اكتشاف لماذا أكتب…
ربما كان هذا الطوفان ضروريًا ليغربل الساحة، فيبقى الذهب في القاع، بينما ينجرف الزبد..
سأعود للكتابة، ليس لأُنافس آلة فذلك عبث، بل لأقول ما لا تستطيع هي قوله:أنا هنا، عشتُ هذا، تألمتُ، فرحتُ..كل انفعالاتي البشرية التي تعجز هي عن صنعها ..
فليكتبوا، وليمتلئ العالم بضجيجهم. صوت الحقيقة هادئ، عميق، لا يشبه الضوضاء. وذات يوم، حين يهدأ الغبار، سيظل السؤال الوحيد الذي يهم القارئ هوا هل خلف هذه الكلمات قلب نابض، أم مجرد صدى؟
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية