خبث التعامل/ بقلم:للاإيمان الشباني( المغرب)

ليس كلُّ من يبتسم لك نقيَّ السريرَة، ولا كلُّ من يُجيد الحديث يحمل في قلبه صفاءَ النيّات، فالعالمُ مليءٌ بوجوهٍ تُتقن ارتداء الأقنعة، حتى صار الخبثُ عند بعض الناس مهارةً اجتماعية، لا خُلُقًا مذمومًا، وقد يكون أخطر أنواع الخبث ذاك الذي لا يأتيك صريحًا كالعاصفة، وهو يتسلل إليك ناعمًا كالدخان، يلتفُّ حول ثقتك حتى يخنقها دون أن تشعر.
إنّ خُبثَ التعامل يقوم كثيرًا على ما يتخفّى في هيئة اللطف الزائد، أو الاهتمام المصطنع، أو الكلمات المنمّقة التي تحمل في باطنها غرضًا خفيًا، فبعض الناس لا يقتربون منك حبًّا فيك، بل حبًّا فيما تملكه من مكانة أو منفعة أو تأثير، فإذا انتهت حاجتهم انطفأت مودّتهم كما تنطفئ شمعةٌ في مهبِّ الريح، وهؤلاء لا يقتلونك بالخصومة المباشرة، فهم بالإرهاق النفسي يسفكوندمك، لأنك تظلُّ تبحث عن صدقهم فلا تجد إلا فراغًا متلوّنًا.
والأشدُّ مرارةً أن الخبيث في التعامل غالبًا ما يُجيد لعب دور الضحية، فيؤذيك ثم يقنع الآخرين أنّه المتألم، ويزرع الفوضى ثم يتظاهر بالحكمة، ويجرحك بالكلمة ثم يستغرب تأثرك، إنه بارع في قلب الموازين، حتى يصبح الصادق متهمًا، والواضح ساذجًا، والصامت مذنبًا لأنه لم يُحسن فنَّ المراوغة.
وقديماً قيل إنّ أخطر السموم ما كان بلا لون ولا رائحة، وكذلك الخبث الإنساني، لا يُكتشف من اللقاء الأول، انه تراكم المواقف، ومن تلك التفاصيل الصغيرة التي تكشف معدن الأرواح، فالنفس النقية قد تغضب لكنها لا تخون، وقد تختلف لكنها لا تتلوّن، أما النفس الخبيثة فهي تتقن تغيير وجوهها بحسب المصلحة، فتراك اليوم صديقًا وغدًا سلّمًا تعبر فوقه نحو غيرك.
إنّ التعامل مع الناس يحتاج إلى قلبٍ طيب، لكنّه يحتاج أيضًا إلى بصيرة، فالطيبة دون وعي قد تتحول إلى بابٍ مفتوح للاستغلال، والثقة العمياء قد تصنع حول الإنسان دائرةً من المتلاعبين، وليس المقصود أن يتعلم كيف يميّز بين الصدق والتصنع، بين الوفاء والاستعمال، بين من يقترب ليشاركك الطريق ومن يقترب ليستنزفك ثم يرحل.
والحياة تُعلّمنا أن أكثر العلاقات ضجيجًا ليست أصدقها، وأنّ بعض القلوب الهادئة أنقى من آلاف الكلمات، بينما هناك من يتقنون الحديث عن الأخلاق وهم أبعد الناس عنها سلوكًا، فالإنسان الحقيقي لا يُعرف من بريق عباراته، انه من ثباته وقت الاختبار، ومن طريقته في الغياب قبل الحضور، وفي الاختلاف قبل الاتفاق.
إنّ الخبث في التعامل عجزٌ أخلاقي يتخفّى خلف الحيلة، لأن الذكي حقًّا هو من يربح الناس بصدقه لا بخداعه، ومن يحفظ الودّ دون أن يطعن، ومن يعرف أن الكلمة قد تبني روحًا أو تهدمها، وما أكثر الذين انتصروا بالمكر لحظة، ثم خسروا احترامهم في ذاكرة الزمن.
ولهذا يبقى الصفاء، رغم قسوته أحيانًا، أكثر راحةً من التلوّن، ويبقى الإنسان الواضح، حتى وإن بدا بسيطًا، أكثر قيمةً من ألف وجهٍ يتقن التمثيل، فالعلاقات تقاس بصدق النوايا، ولا يُخلّد في القلوب إلا من كان حضوره أمانًا لا قلقًا، وصدقًا لا لعبةً من ألعاب المصالح الخفية.

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!