الأهوار … سمفونية القصب والماء المذهلة/احمد مزيد ابو ردن كاتب وشاعر اردني

14992007_1018939498216396_3705072897682202961_n 15073302_1018939624883050_2532366506012574553_n 15094353_1018939564883056_807509610992042055_n 15095682_1018939531549726_6461984300185981646_n

ذلك الألق العميق المتجذر في روح الهور ، عناق الضوء والماء وأمشاج الأصوات المختلطة ، التي تجسِّد نشيد الحياة في متاهة القصب والبردى العظيمة هذه ، والإمتداد البعيد لحسِّ الإنسان بالمأساة الإنسانية من هذا العالم الشائك المحيّر انطلقت الأسطورة السومرية الأولى ، ورحلة البحث عن الخلود ، واكتشاف الذات المسكونة بالبقاء ، وتلك المرحلة القادمة للوصول إلى روح النَّص الذي يثيرُ كُلَّ الماضي وذلك الإرث الحضاري الهائل الذي يمتدُّ بعيدا ً هنالك لاكتشاف ذروة الأشياء وذلك الوجد المتناثر المشبوب . سماء صافية ونجوم بيضاء لامعة ، بعيدة الغور وعميقة النظر إليها ، وهي تنعكس وترتجُّ على صفحات الماء في اللّيل ، الذي يقطعُ صمته نقيق الضفادع ، سمفونية الأصوات المختلطة المختفية عن العيون ، والتي تعبِّر عن ماهية الحياة وتنوعها وتفردها . والقصب عالم الحياة الذي يفرض حضوره العملاق على المساحات العظيمة من الماء ، ويتشابك مع فعل الحياة الإنسانية ، يعيدُ تشكيل التفاصيل اليومية ، ولا حياة خارج حدود القصب الكثيف الملتف ، والماء الذي يعَّمق وجوده وسطوته وحضوره الهائل ، والمضافات ذات الأقواس الضخمة المجدولة من القصب ، والحصائر التي تفترش الأرض وتغطِّي الجدران ، وبراعم النبت الغض الذي يغذي الجواميس ، وهو الحيوان الرئيسي في عالم الهور المشتبك مع رحلة الإنسان المتعبة المرهقة في الحياة . إنها رحلة رائع يشكِّلُ فيها القصب والماء توأم الحياة وثنائية التناغم والأضداد ، وسرّ جماليات هذه الحياة الفطرية ، التي يعيشُ فوقها سكَّان الهور بلذةٍ فائقة ، تدفعهم إلى الحنين القاتل حينما يذهبونَ إلى المدن البعيدة الواقعة خارج ملحمة الماء ، ثمّ في غمرة شغفهم المجنون يعودون إلى نبضِ حياتهم الحقيقي الذي يتفاعلون معه ويمارسون مع ضربات قوارب البلم والمشاحيف الخشبية فوق المياه العميقة . إنَّ هذا الكتاب الممتع ( المعدان عرب الأهوار ) الذي يقدمه الطبيب والرحالة الانجليزي ( ويلفريد ثيسغر ) ، هو امتداد لكتابه الأول الرائع ( رمال العرب ) الذي روى فيه رحلته إلى الربع الخالي حيث أقامَ خمس سنين . إنها رحلة المغامرة والمجازفة واحتمال الحياة الصعبة ، في تلك المساحات المائية الواسعة ، بين سكَّان قرى أهوار العراق في الجنوب ، التي تضبط حياتهم منظومة القيم والعادات والتقاليد والِّين الذي له الأثر الكبير في حياتهم الصعبة والشَّاقة التي يحتملونها بصبر وأناة كبيرين لأنَّهم لا يستطيعون أن يعيشوا خارج إطارها . حتَّى حينَ يذهبون إلى المدن يظلُّ الحنينُ يشدُّهم ويجذبهم للعودة إلى الأهوار التي ترتفع بيوتها فوق الماء ويعيشون من صيد السمك والطيور والبط البرِّي ويترجمونَ ضجرهم وقسوة أيَّامهم ، بما ينظمون من شعر شعبي يترنمون به في حالاتِ فرحهم وحزنهم وبكائهم على الذينَ يموتون أو يغرقون في الماء العميق ويمتاز هذا المؤلف بصدق تصويره ، وكتابته عن كُلِّ شيء في حياة أهل الهور الذين التقاهم وعاش بينهم ، ونقل عالمهم المائي إلى القارئ في كلِّ مكان . والكتاب رائع ولغته عذبة وجميلة وممتعة إلى حد كبير ، لولا بعض الهنات لأنَّ الكاتب انجليزي ويكتب من زاوية نظرته ، وتفاصيل رحلته إلى عالم الأهوار حيث الماء والقصب ، وأوراق البردي الغضّة الطازجة الطريّة . عالم مدهش ينقله بحرارة وصدق ، ويصف فيه حياة أولئك النَّاس الذينَ عاش بينهم كواحد منهم ، وفي ضيافتهم يقاسمهم طعامهم وشرابهم ، ويكتب عنهم بكلِّ حريةٍ وما حدث معه هناك بالضبط ، يتحدَّث عن جواميسهم وبيوتهم المصنوعة من قصب الهور ، وعن حيواناتهم التي يشربون حليبها الطَّازج ويستفيدون من روثها في إشعال أفرانهم التي يصنعون بها خبزهم اللذيذ اليومي ، هذه الرحلة إلى قريبة ( الجياب ) في أعماق الهور ، وإلى ( المعدان ) عالم عجيب من العادات والتقاليد ومناسبات الزواج والطلاق ، والنبض الإنساني الذي لا يتوقَّف وأساليب تنقلهم في بلماتهم ومشاحيقهم وقواربهم السريعة ، وهي الوسيلة الوحيدة للتنقل بين أرجاء المستنقعات الكبيرة . لوحات فاتنة ومدهشة كتبها عن قريتي الجياب والمعدان في قلب الأهوار ، المتلفعة بضباب الصباح ، والمغمسة برائحة القصب الغض ، وخيالات البلم والمشاحيف التي تنعكس على صفحات الماء ، وتبرز من خلال أردية الضباب الأبيض الذي يغطِّى حدود التخيّل ، ويندرج في اللاَّمعقول الإنساني . وقد أبدع وهو يصف صياح البط البرِّي ، وضرب المجاديف في الماء العميق ، وعيون الصيادين المترقبة وهم يختبئون بين ادغال القصب ، والمشهد يلوحُ رائعا ً وجميلا ً من خلال الضباب الصباحي الذي يغمر روح المكان ويغسله بالبرودة التي ترتعشُ لها الأطراف الممسكة بحواف المشاحيف المتأرجحة فوق أدغال القصب والطرفاء المتوحش في امتدادها اللاَّمتناهي . إنها صورة وصفيّة لا يبدعها إلا كاتب مجنون توغَّل بعيدا ً في اعماق القرى الفطرية وقدَّم هذه اللوحات الفاتنة السوريالية العابقة بأنفاس الحياة ، والإصرار على العيش رغم صعوبته ، دنيا صاخبة من السرديات والصور الوصفية ، والإعجاب المنقطع النظير ، نقلها هذا الكاتب الفنَّان بعين يقظة ٍ، وروحٍ متفتحةٍ للحياة تلتقط ادنى حركة وحادثة ومكانٍ كان يمرُّ بهِ وهو يتجوَّل بقاربه في قرى الهور . وكطبيب يعالج الفقراء والبسطاء من المرضى ، وكضيفٍ تذوب روحه في تفاصيل عالمهم يكتبُ عنهم ويقدَّم حياتهم الغريبة إلى النّاس في كلِّ مكان وزمان ، وبإسلوب رائع مليء بالمتعة والنشوة الفائقة يسردُ حكاياتهم ، ونوع العلاقات التي يمارسونها . لقد سَحَرَه الهور وفتنه تلك الرؤى القابعة في أساطير قصبه ، فكان هذا الدَّافع الغامض الخفي هو ما شدَّه إلى مجتمعهم البعيد عن الضوضاء والتعقيد الشديد في الحياة ، حيثُ هنا لا أسرار الكلُّ يبوح بما يعرف ، والنظام الاجتماعي صارم يعاقبُ الجناة ، ويحتفي بالرجال والنساء الكرماء الشجعان الذين كتب عنهم هذا الرحالة الفذ وأنصفهم غاية الإنصاف في كتابه هذا . إنَّها أحاديث شيّقة تمتِّعُ حواس القارئ ، فيشعرُ أنَّه يسمعُ ضربات المجاديف وأصوات الطيور وصياح الخنازير البريّة ، لأنّ لديه مقدرة وصفية مذهلة ، يندمج القارىء في تفاصيلها ، ويظلُّ يهلثُ وراءها حتَّى ينتهي من الكتاب وهو في قمة المتعة والنشوة والتذوق الحِسِّي .
>

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
casibomcasibom girişcasibom resmi girişdeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusucasino sitelerideneme bonusu veren sitelerdeneme bonusu veren sitelercasino siteleribahis siteleribonus veren sitelermarsbahismarsbahis girişmarsbahis güncel girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişcasibomcasibom girişmarsbahismarsbahis girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişegebetegebet girişegebetegebet girişegebetegebet girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahiscasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişbetparkbetpark girişbetparkbetpark girişbetparkbetpark girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis giriş