خارج حدود الزمن

يوميات بدوي في بيروت
بعد العودة من الشوف
 ( 9 )
*************************** لـــ : محمد صوالحة
عدنا من الشوف … من بيت الدين .. وصلنا الدكوانة ليلا … الانوار تتراقص … والشوارع ما زالت تعلن التحدي والصمود امام المارة والمركبات . بماذا تهمس الإطارات بأذن الشارع … هل تشكو من ثقل قدم السائق … ام انها تروي بعضا من ذكرياتها
ندلف للبيت … ارغب بالانزواء بغرفتي … لتبقى تلك الصور عالقة في ذهني .. في مخيلتي … ابدل ملابسي … استلقي على السرير … اغمض عيني .. استحضر كل تلك المشاهد التي مررنا بها بذهابنا وعودتنا … اعد الجميلات … امسك بتلك الورقة … اقف عند كل اسم .. استحضره … اعيد تسميته من جديد .
هذي ورود … وتلك سلمى … هناك شروق … وليلى … هذه عبير وتلك أمواج
هناك حنان … ومعها لقاء …. أقرب منهن قليلا … جوليا وكاتي وايمان .
اما ليلى الساحرة .. القصيدة التي عجز القلم عن كتابتها … ليلى نشوة الخمر وروعة السهر ,
يا ربي … هذي ورود … يا الهي ما اروع نظراتها وما اجمل الكحل في عينيها … وتلك تلمع بوجه الشمس ابتسامتها … ما يليق بها من الاسماء .. ربما الاقرب اليها اسم سهام لأنها قاتلة النظرات … تلك الآسرة انشودة الشوف بالتأكيد كانت … تخر لها القلوب .. وتُسبح لعينيها النبضات . اما تلك الارض… تلك المنطقة .. فاحتار بوصفها العقل … وغاب امام جمالها الخيال … وكان السؤال منذ ان لمحتها عيني يتردد … عن اي سمو تبحث هذه المنطقة والى اي المراتب ستصل … اشجارها المنتشرة في كل مكان كفيلق من جيش … او كعالم من الغانيات اللائي يغوينك بالبقاء ما الذي يحرسه وماذا ينتظر .
في غرفتي المزينة بكل ما هو جميل … والتي يطوق راسها حبل من الانوار الخفيفة … تقود للحلم …. تقود للتأمل … والبحث عن كل جديد … في غرفتي هذه … تتبدل الاشياء وتختلف الاحلام .. وكثيرا كثيرا ما يغادر النوم .
صداع خفيف يلم بي … صداع جميل .. لأنه يجبرني على اغماض عيوني … فتتداعي الصور … وتتراكض الافكار … ويدي تمسك بالورقة والقلم ادون ما يراودني من افكار .
وقفت على النافذة المطلة على الدكوانة … انا في الطابق السادس … كل النوافذ امامي … مشرعة .. والنسيم يتلاعب بستائرها فيراودني حفيدي بأفكار مجنونة ويوسوس لي بما يدور خلف تلك الستائر … يرسم لي الاشكال .. احدثها تحدثني نتبادل الابتسامات…. ووسط هذا المحيط من الخيالات المجنونة .. والافكار الأكثر جنونا … والمشاعر الفوضوية التي تتلاعب بكل ما يمر بالبال وتستوقفه .. تعشق حتى النسمات العابرة … يُطرق الباب ليوقظني من احلامي … تأتي الرائعة … بل الاروع انجيليا بالقهوة … وتقف على الشرفة … نتحدث عن الشوف وجمال الشوف .. ونراجع تلك الصور التي التقطت … رشفة من القهوة واخرى .. ابحث عن الصداع فلا اجده .. كيف غادرني هكذا بدون مقدمات … الصداع كما النوم يتركاني وحيدا ويغادران فيغيب معهما الخيال .. وتغيب الافكار والصور .
تنهض انجيليا من مكانها وهي تقول محمد عليك النوم مبكرا لأننا غدا سنغادر مبكرا فمشوارنا طويل … سألتها الى اين هذه المرة …. فقالت … لمنطقة تشبه الشوف بطبيعتها وفيها مكان بالتأكيد انت تحبه … وسألتني عن كتب صاحب ذلك المتحف .
قلت لاين ؟.
قالت :
لمتحف جبران وبعده لغابة الارز .
حاولت النوم .. حاولت وحاولت … وباءت كل محاولاتي بالفشل .. كثيرة هي الأشياء التي تراودني … أتفقدني … فأجدني بلا روح … روحي ما زالت عالقة هناك … في الشوف … انا الآن جسد بلا قلب او روح او خيال … كل هذه ما زالت عالقة هناك … على غصن شجرة او في حضن حسناء .
الليل هذه المرة طويل طويل … انهض من سريري مجددا … واجلس على تلك الشرفة … اتأمل المباني … واتساءل : بماذا يحلم سكانها الان ؟.
ما الذي يشغلهم ؟.
واخيرا وبعد طول انتظار …سطع نور الشمس … منفضة سجائري ملأي بأعقاب السجائر .. كما ذاكرتي ملأى بالاشياء والصور ….فنجان قهوتي فارغ كجسدي في هذه اللحظة … أشعر بعطش شديد … اعاقب نفسي ولا اشرب … ولكي ازداد عطشا اشعل السيجارة من جديد .
أشغلت نفسي بتبديل ملابسي … ارتدي وأخلع … حتى جاء ذلك الصوت من جديد … ابا صخر … الافطار جاهز…. اغلقت غرفتي … وخرجت اليهم … اشعلت سيجارة من جديد … وتناولت فنجان قهوتي … ارتشفته بسرعة .. وكأني استعجلهم … للمغادرة … لاني ارغب بالعودة الي.. لاني كثيرا اشتاقني أشتاق الي جدا .
يرمقني أبو نجيب بنظرة عتب … وكذلك انجيليا وتقول الافطار أولا … أرد عليها .. اشعر بشيء من الصداع ولا رغبة لي بالطعام .
يكملون وجبة الافطار ونخرج .
وكالعادة … الشاعر الأنيق الياس القزي بحضوره الخفيف … وروحه المرحة التي تعكس طبيعة اللبناني… بجانب السائق… انجيليا وانجي وانا في مقعدنا الخلفي
وأظنني وحدي من بينهم كنت خارج اللحظة … خارج دائرة الزمن .. كيف لا وانا القادم من الشوف … الى لواء الكورة … وبشري… و جبران الذي عقدت العزم ان أن اشاكسه واشاغبه … فرأسي بات كحقيبة مثقلة بالاسئلة .
نمتطي صهوة المركبة
وما ان أدار ابا نجيب محركها حتى بدأت روحي بالعودة الي من جديد … تتحرك المركبة امتارا قليلة وتنعطف لليمين …. نسير مسافة قصيرة … وننعطف ايضا جهة اليمين مرة اخرى … نمر من تحت جسر جونيه … ونتابع مسيرنا نحو … الشمال .
يتجلى البحر من بعيد كراهب … او كإله عاد من زمن الأساطير … فأرسل اليه ابتسامة قلب …. ابتسامة روح وشفتين … اناديه ايها القديس والمقدس … ان خذني اليك .. اغرقني بقلبك … اجعل مني موجة تعانق شواطئ العاشقين … او قصيدة تسكن قلب شاعر .
ايها الشيخ الجليل … خذني اليك … لفني بعمتك الزرقاء … وارسلني نسيما يداعب شعر تلك الأميرة الرابضة فوق ذاك المرتفع .
يسحرني مشهد البحر … ويدهشني ذاك الزبد الذي يرافق الأمواج … ولا اشعر بنفسي … الا ونحن ننعطف نحو اليمين ايضا…. ابتسم وأسال ابا نجيب … يا سيدي … اراك تتبع اليمين باستمرار … جعلك الله من أهل اليمين .
قال لست انا وانما هي الطريق التي تأخذنا حيث تريد ونريد .
يلفت انتباهي شارة كتب عليها لواء الكورة .
هنا يهب الحنين … و يشتعل القلب بالشوق لشمالنا … شمال الاردن … حيث لواء الكورة … تلك الاشجار التي تثير دهشة كل عابر من هناك … وابدأ رحلة المقارنة بين الكورة هنا والكورة هناك … انها تتشابه بطبيعة طقسها … وكثافة اشجارها … وجمال الناس فيها الفرق ان لو اء الكورة الاردني .. يجاور صحابة رسول الله .. رسول الانسانية … شرحبيل بن حسنة ومعاذ بن جبل … اللذان يجاوران النهر المقدس نهر التعميد
لا يخرجني من هذا الاشتعال او الحريق الذي شب بين الضلوع … الا صوت ابو نجيب وهو يطلب مني النزول … حيث قمنا بالذهاب الى ملحمة هناك … كنت اظن اننا سنأخذ بعضا من اللحم للشواء … ولكن كان الامر المفاجأة حيث طلب (( كفتة نية )) اجهزها الجزار بسرعة … اقشعر بدني في البداية … وما ان صعدنا مجددا للسيارة حتى بدأت انجلينا بتوزيع السندويشات … وكان هناك الكثير والمتنوع منها … اخذت لقمتي الأولى … طعم غريب ولذيذ … تابعت اكلي وما ان انهيت سندويشتي الأولى حتى طلبت اخرى … واخرى .
تابع صعودنا … وانا يخيل الي اني على بعد امتار من هنا سأسمع صوت تسابيح الملائكة …. ويفاجئني اسم منطقة عجتلون … هذه القرية الكثيفة الاشجار الجميلة المباني وبالتأكيد لكل مبني حكاية .. ولكل شجرة قصة … ويعاودني الاشتعال من جديد … ففي شمالنا عجلون بغاباتها … وتاريخها .
اتعبني النظر الى الطريق والى السماء التي تقترب منا تدريجيا …. واضع رأسي على منضدة المقعد وأحاول ان افر من الجمال الذي ارق روحي واتعب قلبي … حتى وانا احاول ان اقتنص اغفاءة تراودني بها الصور وما مر بي بالأمس وقبله … وما سيمر .
ما لفت انتباهي اكثر … كثرة اليافطات التي تتغني بحزب القوات اللبنانية … الشارع مكتظ بهذه اليافطات وكأن المنطقة مملوكة للقوات اللبنانية وزعيم هذا الحزب . (( حزب القوات اللبنانية يترأسه سمير جعجع )) . ونتابع المسير … وننحني قليلا ايضا ناحية اليمين … ونعبر في طريق ضيق على رصيفيه رتبت الزهور وأسأل انجيلينا … اين نحن … قالت ..
نحن الان ندخل لمتحف جبران … فكاد يغشى علي فرحا .

 

 يوميات لــ ـــ : محمد صوالحة 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
casibomcasibom girişcasibom resmi girişdeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusucasino sitelerideneme bonusu veren sitelerdeneme bonusu veren sitelercasino siteleribahis siteleribonus veren sitelermarsbahismarsbahis girişmarsbahis güncel girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişcasibomcasibom girişmarsbahismarsbahis girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişegebetegebet girişegebetegebet girişegebetegebet girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahiscasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişbetparkbetpark girişbetparkbetpark girişbetparkbetpark girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis