رسائل لا تحتاج لطوابع أو ساعي بريد (3) / بقلم : عاطف معاوية

تعبت من حقائب السفر الفارغة التي أحملها كل يوم . لا أريد السير على خطى المجانين ، وأن أعلق أمنياتنا في نوافذ الموت .

لست بخير هذه الأيام ، أعاني من آلام جهة القلب ، قلب حبيبك أصابه التعب ، ترتفع أحيانا سرعة الضربات وتنخفض أحيانا أخرى ، أحس بجسدي يريد السقوط ، وأنا أريد الوقوف من أجلك ومن أجلي ، لا أعلم ما هذا الشيء الذي يحفر بشراييني .

لكني سأصبح بخير ، لا زال لنا وعد في اللقاء ، لم أعد مسكونا بالخوف ، حتما هو الموت ليس مرعبا ، حتما سألتقيه بدون شك في مكان ما وفي زمان أخر ، لكن ليس الآن .

أتمنى أن أكون معك وأن أمسح  عنك الدموع المنزلقة من عيناك الصغيرتين .

فكرت البارحة أن أحزم حقائب السفر الفارغة وأن أشعل سجارتين في نفس الوقت ، وأن أشتري  لجارنا الوحيد ساقا خشبية يتكأ عليها لتسنده في المشي ، ويساعدها في الوقوف . لا زال يفتح نافذته للحمام وللعصافير و يسقي وردته البيضاء ، يخسر كل يوم في لعبة الورق والإغراء ، يغريه المساء في جولة طويلة العمر بجانب البحر

والغابة ، لكنه لا يستطيع عاجز عن المشي، عن الحلم .

تؤرقني فكرة أن لا نكون معا ، أن أمشي وحيدا على الطريق ، على ذكرياتنا وصوت الريح . إن الفكرة هذه تدفع رغبتها الجارفة في الانتقام مني، من غيابك ، من حضور الحنين وفنجان قهوة يتجاوز جريمتها ، جريمة الانتقام مني ، سلامة على حروفها على حضورها ونسيانها .

إنني أحبك و أحب حكاية “بين القوسين” هل تتذكرينها ؟

كم ضحكنا حينما حكيتها لي ، لا زلت لا أنسى ذلك الطفل الذي ضحك معنا . هكذا أنا أحارب الفكرة التي تؤرقني والفكرة التي لا تصلح سوى للنسيان …

إنني أحاول صيانة ذاكرتنا المشتركة ، ذاكرة بحر

وشجر و ورد و قصائد وعناق و قبلات تعانق شفتين ، تعانقنا و تجتازنا قبل الشروع في كتابة هذه الرسائل الفارغة من ساعي بريد يحملها .

 

على ذكر السفر في رسالتك الأخيرة ، أنا أحب السفر لكن كل الطرق مغلقة باتجاهك ، فلا الطائرات تحمل قلبي ولا السفن الطويلة العالية تتسلق إلى قلبك . إنني هنا أسافر إليك كل يوم ، كل حين عبر الخيال والذاكرة ، عبر رسائل تتجول سائحة تنثر كلماتناوتجمعنا في غيابنا ، تجمعنا في الشقاء

و الفرح ، في مذاق القهوة وتغاريد العصافير التي تطل كل يوم على نافذتي منزلقة من رتابة الحياة ، من صور الغيم وأغصان الشجر ، تطل واقفة تنظر إليّ وأنا حامل لصورتك التي أتسلق بها مراتب الغرق .

حبيبتي إنني لست بخير هكذا ، وهكذا بصمت أمرر هذه الأيام الفارغة في لوعة النسيان .

أنا هنا في الليل ، وعلى عجل تُبنى بلاد بلا أسوار في رأسي، كأن يحرسها الجندي و هو راعيا ، أو أن يمسك البستاني مهمة الطبيب حيث فقط كل البلاد مطمئنة . هكذا أنا أقضي أغلب الأوقات في الليل، لا أستفيق من خيالي حتى يُقرع الباب

و يدخل الآخر بكل قوته ليخرجني مما كُنتهُ وما كنت سأكونه ، إنني أحبكما كثيرا ؛ أنتِ وأنتِ ، لا أحد ينتظره الماضي ولا أحد يتذكره صديق قديم هنا . لهذا أحبكما بلا سبب في الحب …

لا أحد اليوم سينقذني من هذا الليل الطويل لا أحد ، لا الحنين ولا الغياب ولا نسياننا ولا دخان قبلاتنا ، لا أحد سيقذني سواك ، إن قلتِ أنا قادمةٌ أنا قادمةٌ ، حينها سأجهز لك قصائدا ويدا وكأس نبيذ وقبلة تشعل النار .

إنني أبحث عن نفسي ولا أجدها فهلا قلت لي شعرا رائعا في رسالتك القادمة ، أكتبِ لي كيف تراك المرايا ، كيف يذوب السكر فيك ، كيف تمسكين الورد وكيف هو عطر الغموض في “كولونيا” ، وكيف هو مذاق القهوة في شفتيك ، كيف هي خطواتك السريعة والبطيئة ؟؟ .

أخبريني كيف تعيش حمامتي البيضاء في الغياب البعيد البعيد .

سأترككِ الآن لأنني سأخرج مع بعض الأصدقاء إلى المرسى حيث نمنا تحت الغيم فوق الماء ، نمنا بجانب الملح  بلا حارس الحدود الشمالية ، الذي كان اسمه القلق .

وداعا إلى رسالة أخرى ، إلى حنين و وردة …

 

 

 

 

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
casibomcasibom girişcasibom resmi girişdeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusucasino sitelerideneme bonusu veren sitelerdeneme bonusu veren sitelercasino siteleribahis siteleribonus veren sitelermarsbahismarsbahis girişmarsbahis güncel girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişcasibomcasibom girişmarsbahismarsbahis girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişegebetegebet girişegebetegebet girişegebetegebet girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahiscasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişbetparkbetpark girişbetparkbetpark girişbetparkbetpark girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis