كتب: الشاعر أمين المَيْسَري
إبراهيم ناجي(1899م – 1953م) أرق شعراء مصر في مطلع القرن العشرين. قال الشعر مبكرا،وقاله في كل أغراضه الشعرية.وبرّز في شعر العاطفة الذي كان ديدنه الأول.
(ولد إبراهيم ناجي يوم31ديسمبر سنة 1899م،ما كاد يحبو الطفل حتّى أرسل إلى مدرسة المحلّة وما يكاد يلمّ وهو في الخامسة من عمره،بأوليات الكتابه والقراءة حتّى أدخل المدرسة الابتدائية حيث قضى فترات الدراسة بتفوق ملحوظ ونال شهادته1911م.
ومن الابتدائية إلى الثانوية – المدرسة التوفيقية في شبرا – كان الطفلقد مال بسجيته إلى الأدب.
أخذ يقرأ كل ما يصل إليه يده من مكتبة أبيه التي كانت مليئة بشتّى أنواع الكتب – كتب الأدب وكتب العلم-.
ولكن كانت نزعته إلى كتب الأدب أغلب.. أخذ يقرأ القصص وبعض دواوين الشعراء،ولاسيما شعر شوقي وحافظ.
وقد شعر أنه،وهو تلميذ، يدخل عالماً جديداً لاتزال آفاقه بالنسبة إليه شبه غامضة.
كانت ذاكرته تلتقط أبياتاً من هنا وهناك، فيحفظها بفهم تارة،وبدون فهم تارة أخرى.
وكان لتوجيه والده أثره في نفسه حين كان يقصّ عليه قصص الموهوبين من العلماء والأدباء.
وقد تفتّحت موهبته على قول الشعر وهو في منتصف العقد الثاني من عمره)(1)
أحببتُ شعر ناجي وأنا في الثانوية العامة من خلال قصيدته(العودة) التي كانت ضمن المقررات في قاعات الدرس،وكانت قصيدته تلك حدثاً كبيرا في شعره،من حيث بنية القصيدة في تجديدها الموضوعي والعروضي والقافية.
نص(العودة)
هذه الكعبةُ كنّا طائفيها
والمصلّين صباحاً ومساء
كم سجدنا وعبدنا الحسن فيها
كيف بالله رجعنا غرباء
دار أحلامي وحبي لقيتنا
في جمود مثلما تلقى الجديد
أنكرتنا وهي كانت إن رأتنا
يضحك النور إلينا من بعيد
رفرف القلب بجنبي كالذبيح
وأنا أهتف يا قلب اتئد
فيجيبُ الدمعُ والماضي الجريح
لِمَ عُدنا لَيت أنّا لَم نعُد
لِمَ عُدنا أوَ لَم نَطوِ الغَرَام
وفَرغنا مِن حنينٍ وألَم
ورَضينا بسكونٍ وسلام
وانتهينا لفراغٍ كالعَدَم
أيها الوكر إذَا طار الأليف
لا يَرَى الآخر معنى للسماء
ويَرَى الأيام صفراً كالخَريف
نائحات كرياح الصَّحراء
آه مما صنع الدهر بنا
أو هذا الطلل العابس أنت
والخيال المطرق الرأس أنا
شدَّ ما بتنا على الضنك وبِت
أين ناديك وأين السمرُ
أين أهلوك بساطاً وندامى
كلما أرسلت عيني تنظر
وثب الدمع إلى عيني وغامَا
موطن الحسن ثوى فيه السأم
وسرت أنفاسه في جوِّهِ
وأناخ الليل فيه وجثم
وجرَت أشباحه في بهوهِ
والبلى أبصرتهُ رأي العيان
ويداه تنسجان العنكبوت
صحت يا ويحك تبدو في مكان
كل شيء فيه حيٌّ لا يموت
كل شيء من سرور وحَزَن
والليالي من بهيجٍ وشجي
وأنا أسمعُ أقدامَ الزمن
وخُطى الوحدة فوق الدرج
ركنيَ الحاني ومغنايَ الشفيق
وظلال الخلد للعاني الطليح
علم الله لقد طال الطريق
وأنا جئتك كيما أستريح
وعلى بابك ألقي جَعبتي
كغريبٍ آبَ من وادي المحن
فيك كف الله عنى غربتي
ورسا رحلي على أرض الوطن
وطني أنتَ ولكني طريد
أبديُّ النفي في عالَم بؤسي
فإذا عدت فللنجوى أعود
ثم أمضي بعد ما أفرغ كأسي
والقصيدة جاءت على بحر الرمل.
لاشكّ في ذلك أن إبراهيم ناجي أحد أبرز شعراء مصر. فقد كان مع ثلة من شعراء مصر منهم محمود علي طه،ومحمود غنيم ومحمد الهمشري وصالح جودت.وقد شكّلوا هؤلاء المدرسة الثانية بعد مدرسة العقاد وعبدالرحمن شكري وإبراهيم المازني،وأبي شادي وغيرهم.
نص(كيف أنسى زمنا كنت به) وقد جاء على بحر الرمل
كيف أنسى زمناً كنت به
من أخ أغلى وأسمى من أبِ
ضقت ذرعاً بزماني وكذا
ضاقت الأيام والآلام بي
رائحاً في لجة طاغية
غادياً في عاصف مضطربِ
قد تغشاني ظلام لا أرى
فيه مغداي ولا منقلبي
صامداً للظلم والظلم له
معول يهدمني عن كثب
وأنا أدفعه عن منكبي
بيدي حتى تهاوى منكبي
وتماسكت فلم يبق سوى
كبرياء هي درع للأبي
هتفت بي النفس فلنمض إلى
ذلك الورد الكريم الطيب
إن أنطون وما أعظمه
طاهر القلب نبيل المشرب
كأس ود لم ترنق أبداً
وصفت كالذهب المنسكب
ونداماه على طول المدى
رفقة حفّوا به كالحبب
مكتب لا بل بساط عامر
بالمعالي يا له من مكتب
مكتب قد صيغ من عالي ال
مساعي ونبيل الدأبِ
مكتب يُزهي بحُر ماجد
ثابت الرأي سني المأرب
صائد الدر تراه غارقاً في
صحف أو غائصاً في كتب
مصغياً في حكمة أو مطرقاً
في وقار سامعاً في أدب
فإذا أدلى برأي تلقه
راح يدلي بالعجيب المطرب
مستفيضاً ببيان جامع
سحر هوجو وجلال العرب
ذاك أنطون وما أروعه
صفحة لا تنتهي من عجبِ
قطرات حسبت من عرق
وهي لو حققتها من ذهب
أسعد الأيام يوم ضمني
بك في دار كأفق الشهب
كُرّمت من شرف وارتفعت
بالعلا وازَّينت بالحسب
لدسوقي وما أنسى له
إنه مثلك في الفضل أبي
كيف أنسى فضله وهو الذي
ذاد عني عاديات الحقب
أنتما للمجد ذخر فابقيا
للمعالي واسلما للأدب
لناجي شعر كثير في تجديد بحور الشعر العربي..ففي قصيدة:(عاصفة روح) يستخدم الشاعر بحرا مجددا فيه وهو من مجزوءات المتدارك. ومعروف أن هذا البحر يأتي تامّا وناقصا،ولكن الشاعر- كما يبدو لي استخدمه مخلّعاً أي(فاعلن فاعلان).
نص(عاصفة روح)
أين شط الرجاء
يا عُباب الهموم
ليلتي أنواء
ونهاري غيوم
أعولي يا جراح
اسمعي الدّيان
لا يهم الرياح
زورق غضبان
البلى والثقوب
في صميم الشراع
والضنى والشحوب
وخيال الوَداع
اسخري يا حياه
قهقهي يا رعود
الصبا لن أراه
والهوى لن يعود
الأماني غرور
في فم البركان
والدجى مخمور
والردى سكران
راحت الأيام
بابتسام الثغور
وتولى الظلام
في عناق الصخور
كان رؤيا منام
طيفك المسحور
يا ضفاف السلام
تحت عرش النور
اطحني يا سنين
مزقي يا حراب
كل برق يبين
ومضه كذاب
اسخري يا حياه
قهقهي يا غيوب
الصبا لن أراه
والهوى لن يؤوب
وقد استخدم هذا الوزن الشاعر أبو القاسم الشابي في قوله:
الوداع الوداع ياجبال الهموم
يافجاج الأسى ياضباب الجحيم
قد جرى زورقي في الخضم العميق
ونشرت القلاع فالوداع الوداع
وقد لحنها وغناها الفنان أبوبكر سالم.
وعلى ذكر شعر إبراهيم ناجي المغنّى فقد غنّت له أم كلثوم(الأطلال) من الحان رياض السنباطي. ونحن في اليمن/ في مدينة عدن لحن وغنّى له الفنان أحمد بن أحمد قاسم قصيدته(الليالي يا ما أمر الليالي):
الليالي يا ما أمرّ الليالي
غيبت وجهك الجميل الحبيبا
أنت قاس معذب ليت أني
أستطيع الهجران والتعذيبا
إن حبي إليك بالصفح سبّا
ق وقلبي إليك مهما أصيبا
يا حَبيبي كان اللقاء غريبا
وافترقنا فبات كل غريبا
غير أني أستنجد الدمع لا أل
قى مكان الدموع إلا لهيبا
آه لو ترجع الدموع لعيني
جف دمعي فلست أبكي حبيبا
صدرت الأعمال الكاملة للشاعر إبراهيم ناجي عن دار العودة في بيروت1980م وضمّت الدواوين التالية:
ديوان وراء الغمام
ديوان الطائر الجريح
ديوان في معبد الليل
أمين الميسري
17رمضان1447ه
6مارس2026م
هوامش
(1)مقدمة الأديب العربي الكبير سامي الكيالي ديوان ناجي ص337و338
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية