كتب : الشاعر أمين المَيْسَري
حين رحلت الشاعرة العربية الكبيرة فدوى طوقان(1917م -2003م) كُتب على قبرها قصيدتها(كفاني أظل بحضنها):
كفاني أموت على أرضها
وأدفن فيها
وتحت ثراها أذوب وأفنى
وأبعث عشباً على أرضها
وأبعث زهره
تعيث بها كف طفلٍ نمته بلادي
كفاني أظل بحضن بلادي
تراباً
وعشباً
وزهره
فدوى طوقان لُقّبت بسنديانة ،أو أم الشعر الفلسطيني.. قطعت رحلة طويلة في داخل الأرض الفلسطينية. وأزعم أنها عاشت كل مأساة فلسطين،وكل أحداث الأرض المحتلة.
فدوى طوقان أحببتها وأنا في ميعة الصبا،وربما في أقل من ذلك ،وأنا في الثاني عشر من عمري. فقد وجدت لها قصيدة – في هذا العمر- في إحدى المجلات – وكان غلافها وأوراقها ممزقة – قصيدتها لأخيها نمر(مرثاة إلى نمر) قرأتها عدّة مرات وأنا أبكي،حتّى حفظتها عن ظهر قلب.
نص(مرثاة إلى نمر)
وارتجفت مثلوجةً أصابعي على
وريقة البريدْ
هم يكذبون
هم يكذبون
بل أنت تحلمين، تحلمين
استيقظي،حلم ثقيل لايطاق
وحدّقتْ عيناي في الأشياء-
وامتدت يدي
تلامس الخوان والكتاب والأوراق
إستقظي،حلمٌ ثقيلٌ لايطاق
وحدّقت عيناي في وريقة البريدْ
من جديدْ
وأطبقت مثلوجةً أصابعي على –
وريقة البريدْ
يا نمر، لا يا نمر، لا يا نمر
******
يا نمر ، ياحبيب أختك الكسيرة الجناح
يا نمر ، ياجرحاً جديداً غار في –
قلبي المغشّى بالجراحْ
أهكذا بلا وداع يا حبيبنا
ويا أميرنا الجميل
لا قبلة على طراوة الخدين والجبين
لا نظرة أخيرة نحملها زاداً لنا
في وحشة الفراق
يا نمر ، ياحبيبنا ويا أميرنا
لو أنه فراق أعوام حملنا ثقله
لكنّه فراق عمرْ
لكنّه فراق عمر
***
وهمتُ في الدروب
غريبة في بلدٍ غريب
أحمل ثُكلاً لا تطيقه الجبال
أواه ياجنون هذه الحياة والأقدار
بغير حكمة يموت
بغير حكمة يموت
ياموت ياغشوم، ياغدّار
تخطفهم أحبّتي وأخوتي
أحبتي وأخوتي زهر الرياض –
لؤلؤ المحار
أحبّتي وأخوتي الشموس والأقمار
تخطفهم في عزّ عنفوانهم
في روعة انطلاقهم إلى القمم
ياموت يا مجنون يا أعمى العيون –
يا أصم
ياقاصماً ظهري الضعيف لي لديك –
ألف ثار، ألف ثار
وأنت يامن قيل عنه إنّه هناك
حانٍ لطيف بالعباد
حانٍ لطيف بالعباد؟ أين أنت؟
لا أراك
دعني أراك كي أقول إنه هناك
*****
حزينة أنا، حزينة تفجّري
يا نبعة الدموع
يا فرج المكروب يا سخيّة العطاء
تفجّري من كهفك السحقيق، كهف الحزن –
والظلام والأسى الوجيع
يا نبعةً بملح مائها
قد جُبلتْ أرض الشجا والموت والشقا
واضح إنه نصٌ مفعم بالحزن والفقد والبكاء،وقد جاء على تفعيلة الرجز(مستفعلن)
(سيرة الشاعرة فدوى طوقان)
(ولدت في مدينة نابلس. والدها عبد الفتاح طوقان. والدتها فوزية أمين عسقلان. أشقاؤها يوسف؛ إبراهيم؛ أحمد؛ رحمي؛ نمر. شقيقاتها فتايا؛ أديبة.
تلقت تعليمها الابتدائي في مدينة نابلس في مدرسة الفاطمية أولاً، ثم العائشية من بعد، ولم تتجاوز مدة دراستها خمس سنوات، إذ أُخرجت من المدرسة بضغط من أخيها يوسف لأسباب اجتماعية، وفُرض عليها الإقامة الجبريّة في البيت.
تأثرت بشقيقها الشاعر إبراهيم طوقان، الذي تعهّد، بعد أن أكمل دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت وعاد إلى فلسطين، بتعليمها وخصّها برعايته. واستطاعت أن تتحرر قليلاً من الأجواء الاجتماعية القاسية التي عاشتها في منزل العائلة حين قررت العيش مع أخيها إبراهيم في مدينة القدس فأنقذت نفسها من الانتحار، وكانت هذه الفكرة قد راودتها أكثر من مرة.
وبفضل إبراهيم، الذي علّمها نظم الشعر، بدأت مرحلة جديدة في حياتها، صارت تشعر فيها بذاتها وإنسانيتها وحقّها في التعلم، وراحت تتابع دروساً خاصة في اللغة الإنكليزية وتبعث بقصائدها إلى المجلات الأدبية في القاهرة وبيروت موقعة بأسماء مستعارة، فتنشرها، وهو ما عزز ثقتها بنفسها وبما تكتبه.
بعد وفاة شقيقها إبراهيم في سنة 1941 ومن ثم والدها، ووقوع نكبة فلسطين في سنة 1948، بدأت تشارك من بعيد في خضم الحياة السياسية في الخمسينيات من القرن الماضي. وفي سنة 1956، سافرت إلى ستوكهولم من ضمن وفد أردني لحضور مؤتمر حول السلام نظمه مجلس السلم العالمي، وشملت رحلتها هذه هولندا والاتحاد السوفييتي والصين الشعبية.
انتسبت إلى “النادي الثقافي” الذي أسسه وليد قمحاوي، في مدينة نابلس في سنة 1956، وكانت عضواً ناشطاً فيه، ومن هذا النادي كانت انطلاقتها الشعرية فتعرفت على كمال ناصر، الشاعر والنائب في البرلمان الأردني، كما تعرفت على الشاعر عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى)، وعلى بعض قادة الحركة الوطنية في الأردن، مثل عبد الرحمن شقير، الذي خبأته في منزلها يوم كان مطارداً من السلطات الأردنية، وساعدته على التسلل إلى سوريا في سنة 1957 .
غادرت فدوى طوقان، في بداية الستينيات، إلى بريطانيا وعاشت سنتين في مدينة أكسفورد حيث تعمقت في دراسة اللغة الإنكليزية والأدب الإنكليزي. وتركت هذه الرحلة فيها تأثيراً عميقاً على المستويين الشعري والشخصي.
بعد عودتها إلى نابلس، قررت أن تنأى بنفسها عن الأهل والناس، فبنت لها بيتاً في الغرب من المدينة، لكن نكسة حزيران/ يونيو 1967 دفعتها لأن تشارك من جديد في الحياة العامة لأهالي مدينة نابلس تحت الاحتلال، وتبدأ مساجلات شعرية وصحافية مع المحتل الإسرائيلي وثقافته. فقد أحدثت النكسة تحولاً على شعرها نقله من الموضوعات الشخصية والاجتماعية إلى موضوعات المقاومة. ثم غدا شعرها، مع الوقت، أكثر شمولية وإنسانية، وصار يتضمن موضوعات مختلفة عن الحياة، والموت، والحب، والطبيعة والقهر العائلي والاجتماعي.
تفردت فدوى طوقان بجرأتها في البوح، من خلال سيرتها الذاتية التي صدرت في جزئين، وتحدثت فيها بجرأة كبيرة عن حياتها الخاصة، وعن الحياة الاجتماعية والسياسية لمدينة نابلس وطباع أهلها، ورفضها الكثير من التقاليد، التي أغلقت العلم والفكر التنويري الذي أحبته فدوى وامتازت به. كما تطرقت فيها إلى نشاطها السياسي والثقافي الوطني المقاوم للاحتلال، وإلى علاقاتها بالشعراء الفلسطينيين في مناطق 1948.
انتخبت فدوى طوقان عضواً في مجلس أمناء جامعة النجاح الوطنية، لدى تأسيسها في نابلس سنة 1977، وكان النشيد الرسمي للجامعة من نظمها، كما منحتها هذه الجامعة الدكتوراه الفخرية.
تعتبر فدوى طوقان من أبرز الرموز الثقافية للشعب الفلسطيني، وقد لقبت بـ “شاعرة فلسطين”، ونالت العديد من الأوسمة والجوائز، ومنها: جائزة عرار السنوية للشعر، رابطة الكتاب الأردنيين، عمان، 1983؛ جائزة سلطان العويس، الإمارات العربية المتحدة، 1989؛ وسام القدس، منظمة التحرير الفلسطينية، 1990؛ جائزة المهرجان العالمي للكتابات المعاصرة – إيطاليا 1992؛ وسام الاستحقاق الثقافي، تونس، 1996؛ جائزة الآداب، منظمة التحرير الفلسطينية، 1997. وصدرت عنها وعن شعرها عدة كتب، وعدة رسائل جامعية، في عدد من الجامعات العربية والأجنبية، فضلاً الكثير من الأبحاث والدراسات والمقالات التي نشرت عنها في المجلات والدوريات العربية والأجنبية. كما أخرجت الروائية الفلسطينية ليانة بدر فيلماً تسجيلياً عن حياتها وعالمها الشعري بعنوان: “فدوى: حكاية شاعرة من فلسطين”.
توفيت فدوى طوقان في 12 كانون الأول/ ديسمبر 2003، عن عمر ناهز الخامسة والثمانين، ودفنت في مدينة نابلس. وكانت قد أصيبت قبل رحيلها بأربع سنوات بجلطة دماغية تركت أثراً بالغاً على بصرها، الأمر الذي حال بينها وبين القلم والكتاب.
وعند رحيلها، نعتها السلطة الوطنية الفلسطينية إلى العالم، وإلى المهتمين بشؤون الفكر والأدب والثقافة، قائلة: “ننعى رحيل شاعرة فلسطين الكبيرة، رائدة الإبداع، ابنة جبل النار نابلس، ابنة فلسطين، المناضلة المربية الفاضلة، وأحد أعمدتها الثقافية، والأديبة الراسخة والمميزة، الحائزة وسام فلسطين، الشاعرة فدوى طوقان.”)(1)
قطعت الشاعرة فدوى طوقان مسيرة شعرية كبيرة منذ أن بدأت في كتابة الشعر. وهي إحدى الأصوات الشعرية التي نافحت عن القضية الفلسطينية. وأشعارها خلّدتها وجعلتها في مصاف شعراء الأرض المحتلة.
نص(إليهم وراء القضبان)
“إلى بناتنا وأبنائنا الذين،
التهمتهم السجون في اسرائيل
وفي كل مكان”.
*
1 الأغنية الوصية
وشرّعتْ جهنمٌ أبوابها
وابتلعت براعم الصِّبى الطريِّ في أقبائها
ولم تزل هنالك الغنوه
على شفاه الفتية الفرسان
حمراء مزهوّه
تخترق الظلام والجدران:
“يا إخوتي”
“بدمي أخطُّ وصيتي”
“أن تحفظوا لي ثورتي”
“بدمائكم”
“بجموع شعبي الزاحفه”
“فتح أنا”
“أنا جبهة”
“أنا عاصفة”
2 من مفكرة رندة
.. في نصف هذا الليل.. آه!
حذاره يدقُّ في الدهليز.. آه!
مبتدع التعذيب
آتٍ وتدنيني خطاه
من غرفة التحقيق.. آه!
أتٍ وتدنيني خطاه
من زمن الكابوس والجحيم والصراع
…..
حذاؤه يدقُّ في الدهليز
دمي يدقُّ وعروقي والنخاع
…..
توّحشي ما شئت يا
شراسة الأوجاع
فلن ينزّ من دمي جواب
3 من مفكرة سجين مجهول مكان السجن
من الفجاج يطفح الظلام عابساً صموت
والليل ناصبٌ هنا شراعه الكبير
لا زَحْثُ ضوءِ النجمِ واجدٌ طريقه ولا
تسلُّل الشروق
ليلٌ بلا شقوق
يضيع فيه الصوت والصدى يموت
***
لوقت فاقد هنا نعليه، واقفٌ
تختلط الأيام والفصول
تُراه موسم البذار؟
تُراه موسم الحصاد؟
تُراه؟
من يقول؟
لا خبر
ويقف السجّان وجهه حجر
وعينه حجر
يسلب منا الشمس يسلب القمر
***
خلف حدود الليل
تظلُّ خيل الوقت في سباقها..
تركض نحو موطن الحلم..
…..
…..
خلف حدود الليل
الشمس في انتظارنا تظلُّ والقمر
4 من مفكرة هبة
يحوم هنا طيف أمي يحوم
تشعُّ جبهة أمي كضوء النجوم
عساها تفكر بي الآن… تحلم
…..
قبيل اعتقالي
رسمت حروفاً على دفتر
جديد عتيق..
رسمت عليه وروداً
روتها دماء العقيق
وكانت بجنبي أمي
تبارك رسمي.
…..
أراها
على وجهها الآن صمتٌ ووحده
وفي الدار صمتٌ ووحده
حقيبة كتبي هناك على رفّ مكتب
ومعطف مدرستي عالقٌ فوق مشجب
أرى يدها الآن تمتدُّ، تنفض عنه الغبار
أتابع خطوات أمي
وأسمع تفكير أمي
أتوق إلى حضن أمي ووجه النهار
5 من مفكرة تيسير
يا هذه الجدران
الأخوة الأحباب والأهلون
ما يفعلون الآن؟
لعلّ قاطعي الزيتون يقطعون
لعل زيتون الجبال
يئن بين فكّي المعاصر
لعل دمّه يسيل..
يا حامل القنديل
الزيت وفرٌ، أطعم القنديل
وارفعه للسارين
رافعه مثل الشمس
فالوع لقيا في ربى “حطين”
والوعد لقيا في جبال “القدس”
صدرت الأعمال الشعرية الكاملة للشاعرة فدوى طوقان عن دار العودة/بيروت الطبعة الأولى1978م وضمّت الدواوين التالية:
ديوان وحدي مع الأيام
ديوان وجدتها
ديوان أعطنا حبّاً
ديوان أمام الباب المغلق
ديوان الليل والفرسان
ديوان على قمّة الدنيا وحيداً
وهناك دواوين أخرى صدر لها بعد هذه الأعمال الكاملة منها:
ديوان تموز والشيء الآخر
ديوان اللحن الأخير
أمين المَيْسَري
21رمضان1447ه
10مارس2026م
هوامش:
(1)موقع الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية