الكاتب/ اسعد عبدالله عبدعلي
حين يُذكر اسم الفنان الراحل غازي السعودي، فإننا لا نستحضر مجرد فنان عابر، بل نقف أمام منارة شاهقة وأحد الأعمدة الرصينة التي رفعت بنيان الحركة التشكيلية العراقية والعربية، واختزلت في مداها تجربة إبداعية استثنائية صاغت الملامح الأولى لهوية الفن الحديث في المنطقة بأسرها. لم يكن السعودي مجرد عابر سبيل في محترفات الرسم يمسك بالفرشاة ليخط بها ملامح عادية، بل تجسد كشلال بصري متكامل ومشروع فني متحرك، يعبر بمرونة ساحرة وبلا قيود بين التخوم الإبداعية المتنوعة. فقد كان الرسام البارع الذي يمسك بأسرار الضوء ويسكب الألوان على القماش كمن يبث فيها الحياة، والـخزّاف الماهر الذي طوّع الطين العراقي بيدين عاشقتين، ليتعامل مع الصلصال كمادة حية ناطقة تفيض بالعمق الفلسفي، والمصمم العبقري الذي روّض المساحات الشاسعة ونظّم الفراغات بكفاءة هندسية وروحية مذهلة. هذا التناغم والاتساع في موهبته الفذة هما ما أتاحا له تفجير طاقاته في جداريات صرحية ضخمة وأعمال باهرة، غرسها في قلب الفضاء العام لتظل بصمة خالدة لا يمحوها الزمن، وشاهداً حياً يتكلم بلغة الجمال في الذاكرة الجمعية للأجيال.
وتتجلى الذروة الفلسفية والجمالية في مسيرة غازي السعودي في تلك القدرة الفذة والمدهشة على حل الشيفرة المستعصية للفن المعاصر، محققاً ببراعة ساحرة تلك “المعادلة الصعبة” التي زاوجت بوعي عميق بين عالمين قد يبدوان في الظاهر نقيضين لا يلتقيان؛ حيث عانق بأعماله أصالة التراث الرافديني وضخامته التاريخية، ممتزجاً في الوقت ذاته بنبض الحداثة الغربية وتقنياتها المتطورة. ففي جينات لوحاته وجدارياته، تلمح روحاً وثابة استمدت ألقها من أغوار الحضارات العراقية القديمة، فتنفس من طين سومر، وبابل، وآشور، واستحضر تفاصيل الحياة البغدادية العتيقة بظلالها، وحكايا فلكلورها الشعبي النابض بالحياة، ليعيد صياغة هذا الإرث كله بريشة تشربت نظريات اللون والضوء، وتدربت على أحدث الأساليب التعبيرية والتركيبية في كبرى الأكاديميات الأوروبية، ولا سيما تحت سماء إيطاليا الملهمة، مغزلاً من أصالة الشرق وعصرنة الغرب نسيجاً بصرياً باهراً تخطى حدود الزمان والمكان.
هذا الانصهار الفريد بين الموروث الشرقي والأسلوب الغربي لم يكن تقليداً أعمى، بل نتج عنه أسلوب تعبيري مبتكر وخاص به، تفرد فيه بتقديم اللوحة والجدارية بهوية عراقية خالصة؛ حيث تفيض أعماله بخصوصية الأرض، والبيئة، والإنسان العراقي، مما جعله مرجعاً أساسياً في حداثة الفن التشكيلي العربي، ومثالاً حياً على كيفية تحويل الخصوصية المحلية إلى لغة بصرية عالمية يفهمها ويتأثر بها كل من يشاهدها.
- النشأة والتعليم: تكوين الموهبة
إن الجذور الأولى لتجربة الفنان الراحل غازي السعودي تمتد إلى قلب بغداد، حيث ولد في عام 1935 ليتنفس منذ لحظاته الأولى عبق هذه المدينة العريقة، وينشأ في أزقتها وبيئتها الآسرة التي كانت تموج بتفاصيل يومية غنية وصور تراثية حية، انطبعت بعمق في مخيلته الطفولية وشكلت مخزونه البصري والوجداني الذي ظهر جلياً وبقوة في جدارياته ولوحاته اللاحقة. هذا المناخ البغدادي الخصب فجّر في داخله شغفاً مبكراً وجارفاً بالفنون التشكيلية، الأمر الذي دفعه بوعيه وموهبته الفطرية إلى الالتحاق بمعهد الفنون الجميلة في بغداد، ليتتلمذ هناك على أيدي كبار رواد الجيل الأول وينهي دراسته في عام 1957 كقوة فنية واعدة.
غير أن طموح السعودي لم يكن لتقف في وجهه الحدود الجغرافية، بل تطلع نحو آفاق عالمية أرحب قادته إلى شد الرحال نحو إيطاليا، وتحديداً إلى روما، حاصرة الفنون وعاصمة الجمال، ليتعمق في دراسة أسرار الصنعة بأكاديمية الفنون الجميلة العريقة، والتي تخرج منها في عام 1962 حاملاً شهادة الدبلوم في الرسم والجداريات. ولم تكن هذه الرحلة الأوروبية مجرد محطة عابرة في حياته، بل كانت بمثابة البوتقة التي صقلت موهبته الفطرية وهذبتها، وأكسبته تقنيات معاصرة وحديثة فائقة التطور في كيفية فك شفرات الألوان، وإدارة المساحات البصرية المعقدة، والتعامل بحرفية عالية مع الجداريات الصرحية الضخمة التي غدت علامة فارقة في مسيرته الفنية.
- الأسلوب الفني: الرمزية والروح العراقية
تجلّت عبقرية غازي السعودي في قدرته الساحرة على صهر “البيئة العراقية” في بوطقة الحداثة، فلم يكن مجرد رسام يوثق الواقع بعين فوتوغرافية باردة، أو ناقلاً محايداً للمشاهد اليومية، بل كان فيلسوفاً بصرياً يعيد صياغة الوجود العراقي برؤية رمزية بالغة العمق، يفكك تفاصيل الأرض وينسجها من جديد كقصيدة شعرية تفيض بالمعاني. وفي هذا الفضاء الإبداعي الرحب، انبثقت المرأة كرمز محوري وشريان نابض في لوحاته؛ فامتزجت لديه ملامح المرأة الريفية بوقار المرأة البغدادية، ليحيلهما معاً إلى أيقونة تختزل الأرض في خصوبتها، والوطن في صموده وكبريائه، مبرزاً إياهما بملامح تعبيرية قوية تتدفق منها العاطفة، ومجللاً أجسادهن بثياب تراثية تزدحم بالألوان والزخارف التي تحكي قصص الحضارة والوجود.
ولم تقف حدود مغامرته الفنية عند ضفاف اللوحة الزيتية ومساحة القماش المحدودة، بل اندفع بروحه الريادية نحو فضاءات الخزف والجداريات الصرحية، ليكون واحداً من الفرسان الذين طوعوا الطين العراقي السومري المعجون بماء دجلة والفرات، نافخاً فيه من روحه ليحيله إلى سيراميك ناطق وجداريات خالدة خرجت من المحترفات الضيقة لتعانق جدران بغداد وساحاتها العامة، وتصبح جزءاً من هوية المدينة البصرية.
هذا الألق كله توازى مع أوركسترا من التناغم اللوني الفريد، حيث استعار السعودي فرشاته من ألوان الطبيعة العراقية الصادقة، فجاءت لوحاته دافئة، مضمخة بألوان الطين البكر، وزرقة دجلة المتهادي، وخضرة النخيل الشامخ، ووهج الشمس اللاهبة، لتتحول كل زاوية في منجزه الفني إلى ترنيمة عشق أزلية تتغنى بتراب العراق وروحه المعاصرة.
- الجماعات الفنية والنشاط الأكاديمي
عاش غازي السعودي في قلب العصر الذهبي للحراك الفني والثقافي العراقي في منتصف القرن العشرين، ولم يكن مجرد شاهد على تلك النهضة الاستثنائية، بل كان شرياناً فاعلاً يغذي جسدها بالطاقة والإبداع.
وفي ذلك الزمن الذي ضج بالأسئلة الفلسفية حول الهوية والجمال، انتمى السعودي إلى “جماعة بغداد للفن الحديث”، ذلك المحترف الفكري والفني الفذ الذي أسسه الرائدان جواد سليم وشاكر حسن آل سعيد؛ حيث وجد نفسه في قلب تيار ثوري يدعو إلى فك العزلة بين الماضي والحاضر، مستلهماً من التراث الرافديني العريق جذوراً متينة لإنتاج فن حديث يحاكي لغة العصر دون أن يفقد هويته. ولم يقف طموحه التنظيمي عند حدود المحترفات المغلقة، بل امتدت يده لتساهم بشكل فعال ومحوري في وضع اللبنات الأولى وتأسيس “جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين”، لتكون بيتاً جامعاً ومظلة تحمي الإبداع العراقي وترسم ملامح مستقبله.
هذا العطاء الغزير توازى مع مسيرة أكاديمية مضيئة، حيث أمضى سنوات طويلة من عمره أستاذاً ومعلماً في قاعات كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، فغدا هناك الأب الروحي والموجه الذي تتلمذت على يديه أجيال متعاقبة من التشكيليين، حيث لم يلقنهم الخطوط والنظريات الجافة، بل نقل إليهم جمر شغفه الأكاديمي وخبرته العملية، زارعاً في وجدانهم أسرار الصنعة وأمانة الحفاظ على هوية الفن العراقي ليبقى حياً في عروق الأجيال القادمة.
- أبرز الإنجازات والمعارض
طاف غازي السعودي بأشرعة إبداعه عبر الآفاق، فلم تقف جدارياته ولوحاته عند حدود وطنه، بل جابت مشارق الأرض ومغاربها، فكانت له مشاركات وحضور وازن في عشرات المعارض النخبوية داخل العراق وخارجه، حاملاً وجه بغداد إلى قاعات العرض في أوروبا الصاخبة، والحواضر العربية النابضة، وآسيا البعيدة. وفي كل محطة حط فيها رحاله الفني، كان يحصد الإعجاب والثناء، متوجاً مسيرته الحافلة بالعديد من الجوائز التقديرية والأوسمة الرفيعة التي احتفت بعبقريته وصياغاته البصرية المبتكرة. واليوم، تستقر روحه المبدعة موزعة في أركان شتى، حيث يضم “المتحف الوطني للفن الحديث” في بغداد روائعه التي تخاطب وجدان الأمة، بينما تزين بقية أعماله مقتنيات ومجموعات فنية خاصة حول العالم، لتظل سفيرة دائمة للحضارة الرافدينية.
ورغم أن يد الأقدار والخطوب التي ألمّت بالعراق بعد عام 2003 قد طالت هذا الإرث البهي، فتعرضت العديد من لوحاته وجدارياته الشاخصة للإهمال، والأضرار، والفقدان، تماماً كما حدث للكثير من كنوز الفن العراقي في لحظة تاريخية موجعة، إلا أن تلك الخسارة المادية لم تنل من جوهر منجزه، فظلت قيمته الفنية والتاريخية عصية على المحو، راسخة وجديرة بالخلود في الوجدان الثقافي والإنساني، كأثر لا تموت روحه وإن غابت ملامحه.
- اهمية جدارية “أمومة”
تتجلى الأهمية الاستثنائية لجدارية “أمومة” في كونها لم تقف عند حدود اللوحات المغلقة، بل خرجت لتعانق الفضاء العام البغدادي، متحولة إلى واحدة من الأيقونات البصرية الشاخصة التي تمنح المدينة هويتها الفنية وروحها الحضارية. ويكمن سر عبقرية هذا العمل الصرحي في تلك القدرة الفذة التي امتلكها غازي السعودي لتطويع الطين العراقي العنيد وتحويل السيراميك الجامد إلى مادة طيعة تنبض بالحياة لخدمة فكرة فلسفية بالغة العمق؛ حيث نجح في اختزال قيم الخصوبة، والنماء، والعطاء الرافديني الأزلي متجسداً في شموخ جسد المرأة العراقية. ويمثل هذا المنجز الباهر ذروة نضجه الفني والتعبيري، إذ استطاع فيه أن يقيم جسراً إبداعياً يربط بين عراقة النحت البارز المستلهم من عمق جداريات آشور وبابل العظيمة، وبين أساليب التبسيط التعبيري الحداثي المعاصر، هذا الانصهار المتقن بين صرامة التاريخ وحرية التحديث هو ما جعل من هذه الجدارية علامة فارقة, ومنعطفاً بصرياً ملهماً في تاريخ النصب والجداريات العراقية، وشاهداً حياً على خلود الفكرة وتجدد الطين.
- اهمية لوحة “نساء ريفيات”
تمثل لوحة “نساء ريفيات” ذروة الاشتغال الفلسفي والجمالي لغازي السعودي على “ثنائية المرأة والأرض”، تلك الثنائية الأزلية التي تداخلت في وجدانه حتى غدتا كياناً واحداً لا ينفصم. وتكتسب هذه اللوحة الزيتية أهميتها البالغة من أسلوبه التعبيري الفريد والساحر في صياغة ملامح المرأة العراقية؛ إذ لم يرسمها واهنة أو عابرة، بل منحها قسَمات قوية تنضح بالأنفة والكبرياء، وجعل لها عيوناً واسعة، عميقة، وغائرة، تحاكي في صمتها البليغ عيون التماثيل السومرية القديمة الشاخصة في معابد الوركاء، لتطل منها آلاف السنين من التاريخ والانتظار. وقد دثر تلك الأجساد الشامخة بثياب غنية بالزخارف والألوان التراثية الدافئة، فبدت النساء وكأنهن منبثقات من قلب التربة العراقية المعطاءة.
إن هذا العمل يتجاوز بكثير فكرة التوثيق البصري العابر أو النقل الفوتوغرافي لجماليات نساء الريف أو الأهوار، ليكون بمثابة إعادة صياغة رمزية وملحمية، ترتقي بالمرأة وتجعل منها رمزاً مقدساً للصمود البشري والامتداد الحضاري للبلاد. كما تكشف اللوحة في الوقت نفسه عن تمكن الفنان المطلق من النظريات اللونية الحديثة وفنون التكوين المعاصر التي صقلها ودرسها في الأكاديميات الإيطالية في روما، حيث نجح ببراعة في إسقاط تلك المعارف الغربية المتقدمة وتطبيقها على بيئة محلية خالصة، لتخرج اللوحة بنسيج بصري يعبق برائحة الأرض وينتمي في آنٍ واحد إلى طليعة الفن العالمي.
- اهمية لوحة “بغداديات”
تكتسب لوحة “بغداديات” أهمية استثنائية بالغة الحساسية في مسيرة غازي السعودي، لكونها تمثل وثيقة وجدانية حية تدون “الذاكرة البصرية المحلية” التي نبتت فيها روحه وتشربتها مخيلته الطفولية في أزقة بغداد العتيقة.
وينبع التميز الآسر في هذا العمل من ذلك التناغم اللوني البديع والأوركسترا البصرية المتكاملة التي عزف السعودي ألحانها على قماش اللوحة، حيث أطلق العنان لباليت ألوانه الدافئة المستقاة من جوهر البيئة العراقية؛ فامتزجت فيها سمرة الطين البكر بوهج الشمس اللاهبة الخالدة، وظلال سعف النخيل الشامخ. ومن خلال هذا الثراء اللوني والدفء الشاعري، نجح الفنان في قنص الروح السارية في قلب الحارة البغدادية، فجسد ظلال أزقتها الملتوية الحاضنة للحكايا، واقتنص حركة الناس في غدوهم ورواحهم، محولاً ذلك المشهد اليومي البسيط والعابر إلى ملحمة بصرية كبرى تفيض بالحياة والخلود.
هذا الحجم من الإبداع والعمق هو ما جعل اللوحة تتحول إلى مرجع أساسي وشاهد حي في مسيرة حداثة الفن التشكيلي العربي، لا سيما في ذلك الوقت الذي كان فيه الفنان العربي يفتش بلهفة عن ملامح هويته وجذوره الأصيلة ليحتمي بها في مواجهة تيارات التغريب والذوبان.
- الرحيل والإرث
وفي مطلع تسعينيات القرن الماضي، وتحديداً في عام 1992، أسدل الستار على فصْل الرحيل الجسدي للفنان الكبير غازي السعودي، فغيبه الموت عن دنيانا بعد مسيرة حافلة بالعطاء الباذخ، تاركاً خلفه ثروة فنية هائلة وإرثاً إبداعياً غزيراً غدا مناراً ملهماً اهتدت به، وما زالت تهتدي، الأجيال الجديدة من التشكيليين الذين وجدوا في نتاجه مدرسة مفتوحة على آفاق الجمال والابتكار. لقد ترجل الفارس عن صهوة الحياة جسداً، غير أن روحه الوثابة رفضت الغياب والمحو، فبقيت حية نابضة تتهادى في فضاءات الإبداع من خلال لوحاته الخالدة التي ما زالت تفوح برائحة طين الرافدين المبلل بدموع الوجد وسحر التاريخ، وجدارياته الصرحية الشامخة التي حفرت اسم العراق بحروف من نور خالص في مدونة تاريخ الفن التشكيلي المعاصر.
إن تأمل تجربة هذا المبدع الراحل وقراءتها بعمق ليس مجرد استعراض لألوان وأشكال، بل هو إبحار حقيقي في تاريخ بغداد البصرية، وتتبع لتحولات هويتها وذاكرتها الثقافية، وتأكيد متجدد على أن الفن العراقي الأصيل يمتلك دائماً تلك القوة السحرية والكفاءة الاستثنائية التي تمكنه من تحويل الخصوصية المحلية والمفردة التراثية البسيطة إلى لغة بصرية عالمية، تخترق الحدود وتخاطب الإنسانية جمعاء بلسان الجمال والخلود.
- ختاما
يمكننا القول إن غازي السعودي لم يرحل إلا ليقيم في تفاصيل الذاكرة وتاريخ الفن إقامة أبدية؛ فقد كان حارس الموروث الممسك بفرشاة التحديث، ومطوع الطين البغدادي الذي طبع فوق أزقة العاصمة جدارية لا تموت. إن أثره الباقي يثبت أن عواصف الزمن، وإن نالت من حجر أو قماش، فإنها تقف عاجزة أمام فكرة الجمال الخالص وروحه الممتدة.
لقد علمنا السعودي بكبريائه الفني وتجربته الساحرة أن الفن العراقي لا ينحني للمسافات ولا يغيب بالرحيل، بل يظل كنهر دجلة متجدداً، يفيض على العالم بهوية رافدينية عريقة، ليبقى اسمه منقوشاً بمداد من نور وبهاء في سجل الخالدين.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية




