إبراهيم أبو عواد (الأردن )
حِينَ يضيق الواقعُ بأهله، ويشتدُّ وَطْءُ الظلم على الشعوب، لا يبقى للإنسان سِوى صَوته الحُرِّ يرفعه في وجه القهر، فتنبثق الكلمة مِن رَحِم المُعاناة لتغدو سلاحًا لا يقلُّ أثرًا عن السَّيف.
في تاريخ الأدب، تبرز أسماء قليلة استطاعتْ أن تتحول إلى ضمير الأُمَّة ولسانِ الشعب. ومِن بَين هذه الأسماء يسطع نجمُ الشاعر العِراقي محمد مهدي الجواهري ( 1899_ 1997 ) والشاعر الروسي ألكسندر بوشكين ( 1799_ 1837 ). وعلى الرغم من اختلاف البيئة والزمان والثقافة، فإنَّهما حَمَلا هُمومَ الناس، وجَعَلا مِن الشعر مِنبرًا للدفاع عن الكرامة والحرية والعدالة.
كانَ الجواهري في العِراق صوتَ الجماهير الثائرة على الاستبداد والفقر والتخلُّف، كما كان بوشكين في روسيا رمزًا للتحرر الفكري والنهضة الأدبية ومُقاومة القيود السياسية والاجتماعية. ومِن خِلال تجربتيهما تتجلى صورة الشاعر الحقيقي الذي لا يكتفي بوصف الواقع، بلْ يسعى إلى تغييره وإيقاظِ الوعي في النفوس.
يُعَدُّ الجواهري أحد أعظم شعراء اللغة العربية في العصر الحديث، فقدْ جَمَعَ بين فخامة اللغة وقوةِ الموقف وصِدق الشُّعور. لَم يكن شاعرًا يعيش في البُرج العاجي بعيدًا عن الناس، بلْ كانَ جُزءًا من معاناتهم وأحلامهم، يفرح لفرحهم، ويحزن لأحزانهم.
برز صوتُ الجواهري في المواقف الوطنية الكُبرى، فوقفَ إلى جانب الفقراء والمظلومين، وهاجمَ الاستبدادَ السياسي، ودافعَ عن حرية الإنسان وكرامته. وكانَ يَرى أن الشاعر لا يَملك الحقَّ في الصمت عندما يتعرَّض الوطنُ للخطر، أوْ يُسلَب الشعب حقوقه. لذلك جاءتْ قصائده مُشبَعة بروح التمرد والإصلاح، وحافلة بالصور القوية التي تهزُّ الوِجدانَ، وتوقظ الضمائر.
استطاعَ الجواهري أنْ يُحوِّل القصيدةَ إلى وثيقة تاريخية تنقل نبضَ الشارع العِراقي، فكانتْ أشعارُه مِرآةً للآلام الوطنية، وَسِجِلًّا حيًّا للأحداث والتحوُّلات السياسية والاجتماعية. ولَم يكن صوته صوت فردٍ معزول، بلْ كانَ صوت شعب كامل يبحث عن العدالة والحرية.
أمَّا بوشكين، فيحتل مكانة استثنائية في الأدب الروسي، حتى لُقِّبَ بأبي الأدب الروسي الحديث. أسهمَ في تطوير اللغة الأدبية الروسية، ومنحها قوةً تعبيرية جعلتها قادرةً على احتضان مشاعر الشعب وأفكاره وتطلعاته.
نشأ بوشكين في فترة كانتْ روسيا تعيش فيها صِراعات سياسية واجتماعية عميقة، فانعكسَ ذلك على نتاجه الأدبي. وقدْ عُرف بمواقفه المُناهضة للاستبداد، ودَعوته إلى الحرية الفكرية والإصلاح،الأمر الذي جعله عُرضة للمُراقبة والنَّفْي والتضييق.
لَم يكن بوشكين شاعرًا سياسيًّا بالمعنى الضيق، لكنَّه كان شاعر الإنسان والحرية والكرامة. وقد استطاعَ أن يُصوِّر حياةَ الناس البُسطاء وآمالهم وآلامهم بِلُغة تَجمع بَين الجَمال الفني والعُمق الإنساني. ومِن هُنا أصبح شعره جُزءًا من الوعي الوطني الروسي، ورمزًا للكفاح ضِد القهر والقيود.
على الرغم من المسافة الشاسعة التي تَفْصل العِراقَ عن روسيا، فإنَّ المُتأمل في تجربة الجواهري وبوشكين يكتشف أوجه شَبَه لافتة بينهما:
1_ كِلاهُما جَعل من الشعر رسالة إنسانية تتجاوز حدودَ الترف الفني. الشعرُ عندهما لَم يكن مُجرَّد كلمات مَوزونة، بلْ كان موقفًا أخلاقيًّا ومسؤولية تجاه المجتمع.
2_ ارتباطهما الوثيق بقضايا الشعب. عبَّر الجواهري عن آلام العِراقيين وطُموحاتهم، كما عبَّر بوشكين عن تطلعات الروس إلى الحرية والكرامة، ولهذا وَجَدَ الناسُ أنفسَهم في قصائدهما، وشعروا بأنَّ الشاعرَيْن يتحدَّثان بلسانهم.
3_ الجُرأة في مُواجهة السُّلطة. دَفَعَ كُلٌّ مِنهما ثمنَ مواقفه الفكرية والوطنية، وتَحَمَّلَ ضُغوطًا سياسية واجتماعية كبيرة بسبب دفاعه عن الحق والحرية.
4_ امتلاك مَوهبة فنية استثنائية مكَّنتهما من تحويل التجربة الشخصية إلى قضية عامَّة، والارتقاءِ بالمشاعر الفردية إلى مُستوى الوِجدان الجَمْعي للأُمَّة.
ومعَ هذا التشابه، إلا أنَّ لكل شاعر خصوصيته التي تُميِّزه عن الآخَر. نشأ الجواهري في بيئة عربية دينية غنية بتراثها الشعري العريق، لذلك جاءتْ قصائده امتدادًا للتقاليد العربية الكلاسيكية معَ تجديد في الرؤيةِ والمضمون. أمَّا بوشكين فقدْ تأثرَ بالتيارات الأدبية الأوروبية والرومانسية الغربية، وسعى إلى بناء هُوِيَّة أدبية روسية حديثة تَجمع بين التراثِ المحلي والانفتاحِ على الثقافة العالمية. كذلك اتَّخذ الجواهري من الخِطاب المباشر والحماسي وسيلة للتأثير في الجماهير، بَينما مالَ بوشكين إلى التعبير الرمزي والفني الذي يترك للقارئ مساحة واسعة للتأمل والاستنتاج.
واختلافُ الأساليب لَم يمنع وَحْدَةَ الهدف. كِلاهُما كان يسعى إلى خدمة الإنسان، والدفاعِ عن حَقِّه في الحرية والحياة الكريمة. تكشف تجربة الجواهري وبوشكين عن حقيقة جَوهرية مُفادها أن الأدب العظيم لا يُولَد في عُزلة عن المجتمع، بلْ ينبثق من تفاعل عميق معَ قضاياه وهُمومه. والشاعرُ الحقيقي لَيس مُجرَّد صانع للجَمالِ اللغوي، وإنَّما شاهدٌ على عصره، وحارسٌ لِقِيَمِ الحق والعدالة.
وقد أثبتَ الشاعران أنَّ الكلمة الصادقة قادرة على تجاوز الحدود الجُغرافية والزمنية، وأنَّ صوت الشعب حين يجد مَنْ يُعبِّر عنه بصدق يتحوَّل إلى قوة لا يُمكن إخمادها. ولهذا بقيتْ أعمالهما حَيَّةً في الذاكرة الثقافية، تتناقلها الأجيالُ بوصفها رمزًا للنضال والوعي والكرامة.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية