انني متلقٍ للشعر من النوع الذي يطرب تارة لنص ما ويعرب اخرى في مداخل ومنحنيات نص اخر . وقلما اجدني اطرب واعرب لنص بذاته . حتى ان رأياُ صارماً ترسخ في وجداني ووعيي بأن اجتماع الممارستين الابداعيتين في النص نفسه يكاد يكون مستبعدا للغاية سيما هذه الاونة التي اختلطت فيها اوراق الاجناس الشعرية بخاصة والادبية بعامة الى درجة فقدان كل جنس منها ملامحه في الجنس الاخر بلا معايير ابداعية حاكمة او مستويات اختلاقية محددة ولو من قبيل التعرف عليها لا من قبيل ايجادها او حتى مجرد صيغة مقنعة لتعالقها . والحديث في هذا المجال ذو شجون وهموم شتى ربما لاتحصى . سيما بعد انخراط اجناس الشعر العربي جميعا حاليا بالصناعة والتكلف وبنثريات الخواطر و المقالات الا النادر للغاية المحتبس او المحاصر اغلب الاحيان لاسباب معلومة في مقدمتها ” غربته ” في اجواء النشر الاليكتروني غير المسؤول واستسهال الكتابة الادبية وعلاقات الشِّلٍل و ” الجماعات ” وما شابه اضافة الى دور معظم النقد المتناسخ من بعضه تقريبا الا القليل المحافظ على ركنيه العلم والفن .
ولكم يبهجني ان اصادف نصاُ يضعني كمتلقٍ
في مناخي الطرب والاعراب معا . فتغمرني الدهشة واليقين بقيمة الابداع العليا في الوقت نفسه . كالحال الذي عثرت فيه على عاطفتي وفكري ملتحمين في قصيدة ” ارتباك في الرواية ” للشاعرة العراقية القديرة السيدة رجاء الغانمي .
فالقصيدة هذه برأيي لايجوز تجنيسها بقصيدة نثر بل بالقصيدة الايقاعية . لانها لم تتأطر بالسرديات المنثورة المتداولة البتة . بقدر ما اجتهدت عاليا في استكشاف منطقة ” مابعد الاوزان الخليلية ” وتوفقت كلياً في الامتلاء الموسيقي في نطاق ” سردية شعرية ” محددة المعايير الفنية من جهة ومفتوحة الافاق الابتداعية من جهة ثانية عبر تسيد لا ريب فيه للشعر على غيره وليس لغيره عليه مادام الشعر في ميدانه .
كما ان هذه القصيدة ادهشتني حقا بايغالها العفوي في التراث وعقد صلة النسب الصحيح
تماما بينه والحداثة بفطرة متكاملة الاركان . فلقد اخذت من التراث ، اضافة للموروث الخليلي ، ان الابداع الشعري ليس مجرد معنى او فكرة وانما هو صور للمعاني والافكار تنضوي كافة في بنية متلاحمة من الصور المشيدة عقديا الى رتبتين جماليتين مشتبكتين كانهما كيان واحد هما التراكم والعنقدة . انطلاقا من نظرية الجاحظ حول ” تصوير المعنى ” في الشعر .
ولتكثيف وترسيخ تأصيل النص استلمهمت الشاعرة ، شعوريا ولاشعوريا سوية ، نظرية الجرجاني في ” النظم الفني” ، بجواز الاضافة الاصطلاحية ، ومستويي العلاقات بين الكلمات في النص الشعري . اولهما المستوى البلاغي في تعالقات وتشكلات المجاز والاستعارات في انشاء الصورة الشعرية . وثانيهما مستوى العلاقات النحوية وقيمة المحال الاعرابية في ضمور صور المعاني القديمة وتبلور صور المعاني الجديدة للكلمات .
ومن هذا المثلث الاصيل المتمثل ب الفراهيدي _ الجاحظ _ الجرجاني . كرست الشاعرة الخلاقة جذور قصيدتها باعتبارها الارضية الابداعية الخصبة التي تشيد عليها وعيها المعاصر وهو يتراكم ويتحول ويتعنقد داخل عملية جدلية تصويرية دائبة قد يحسبها البعض قصيدة نثر ومن الجائز ان تراها الشاعرة كذلك ايضا . الا انني اعتبرها قصيدة ايقاعية في غاية التمايز والجودة الابداعية الاصيلة المتجددة .
+++++++++++
إرتباكٌ في الرواية….
قاموسُنا الفطريُّ،
ارتباكٌ على عيني امرأةٍ،
لا يزال يحلمُ بالمفردات.
ربما كان على وشكِ الخاتمة.
جميلةٌ تُمضغُ بين القواطعِ والرَّحى،
لا ذنبَ لها.
فالروايةُ المحكيَّةُ بين حاجبي الوقت،
في كلِّ مرَّةٍ تُخطئها،
وتشربُ الملح من البحر،
لا ذنبَ لها.
فوق الساحلِ،
وعلى الموج،
تعيدها العاداتُ إلى منفاها.
كعبانِ مزدوجانِ للمدى،
أحدُهما عالٍ،
والآخرُ لا يمتلكُ فرصةَ الطيران.
تلك هي أجنحةُ النوارس.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية
