الكتابة .. نافذة الروح على الورق

كتبت : نوال عايد الفاعوري

 

ثمة لحظة غامضة في حياة الإنسان يكتشف فيها أن الكلمات ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل ضرورة وجودية. عندها تتحول الكتابة من فعل عابر إلى حالة من الهوس الجميل والمؤلم في آن واحد. وربما لهذا تبدو الكتابة أكثر تعقيداً كلما ابتعدنا عنها فالكلمات، مثل الكائنات الحية، تغضب إذا هجرت، وتصبح أكثر عصياناً كلما طال الفراق.

 

الكتابة، في جوهرها، معركة صامتة. إنها ذلك التوتر الدائم بين طبيعتنا التي تخشى البوح، ورغبتنا العارمة في أن نفتح أبواب الروح على مصاريعها. نريد أن نسكب ما أثقل قلوبنا من ألم غضب حنين تمرد وخيبات، لكننا، حتى في أكثر لحظاتنا صدقاً، لا نكتب كل شيء. فالروح أكثر اتساعاً من أن تحتويها الكلمات، وأكثر هشاشة من أن تتعرى كاملة أمام الورق.

 

لذلك لا تمنح الكتابة السطور سوى جزء يسير مما نحمله في الداخل قدراً يكفي لنستمر، ولا يكفي ليفضح كل ما فينا. إنها تشبه فتح نافذة صغيرة في غرفة مكتظة بالأنفاس، يدخل منها بعض الضوء، ويتسرب منها بعض الاختناق.

 

ولعل السؤال الذي يرافق كل كاتب منذ اللحظة الأولى هو: لماذا نكتب؟

 

أنكتب لنتعافى من جرح ما؟ أم نهرب إلى عالم آخر نصنعه على مقاس أرواحنا؟ أم أننا نرسل عبر الكلمات استغاثة خافتة إلى شخص مجهول، يستطيع أن يقرأ ما بين السطور، وأن يسمع صمتنا قبل أن يسمع أصواتنا؟

 

ربما نكتب لكل ذلك معاً.

 

فالكتابة ليست ابنة اللحظة وحدها، بل هي مزيج غريب من الأزمنة كلها؛ شيء من ماض بعيد، وشيء من حاضر نعيشه، وظلال من مستقبل نتخيله أو نتمناه. وما نكتبه ليس أرواحنا وحدها، بل أيضاً أرواح الذين مروا بنا، وأحببناهم، وخسرناهم، وتأثرنا بهم. نحن نكتب أنفسنا، ونكتب الآخرين الذين استقروا في ذاكرتنا دون استئذان.

 

والكتابة، وإن بدت فعلاً فردياً، ليست عزلة كاملة. إنها محاولة دائمة للعثور على معنى، وعلى رفقة خفية في هذا العالم. إنها الجدار الذي نتكئ عليه عندما يخوننا الكلام، والنافذة التي نطل منها على أنفسنا حين تضيق بنا الحياة.

 

ومع ذلك، فهي ليست خلاصاً نهائياً. فالذين أدمنوا الحبر يعرفون أن الكتابة لا تداوي كل الجروح، بل تمنحها شكلاً يمكن احتماله. نكتب لنخفف ثقل الأشياء، ثم نكتشف أن شيئاً ما لا يزال يقيم في الأعماق. نعود إلى الورق مرة بعد أخرى، لأن ما يؤلمنا لم يغادر تماماً، ولأن الكلمات، مهما كانت عاجزة، تظل أكثر رحمة من الصمت.

 

لهذا تبدو الكتابة شبيهة بأسطورة سيزيف نرفع صخرة أرواحنا إلى قمة الورق، فتتدحرج من جديد إلى أعماقنا، فنعود لحملها مرة أخرى. ومع ذلك لا نتوقف، لأن الكتابة ليست وعداً بالنجاة، بل طريقةٌ نبيلة لمقاومة الغرق.

 

إنها الوطن المؤقت للروح، والملاذ الأخير حين يصبح العالم أكثر ضجيجاً من أن يفهمنا، وأكثر اتساعاً من أن يحتوينا. لذلك نظل نكتب، لا لأننا نملك ما نقوله دائماً، بل لأن ثمة أشياء في داخلنا لا تستطيع أن تعيش إلا إذا تحولت إلى حروف.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!