بقلم:نوال عايد الفاعوري
من المسؤول عن العبودية؟
العبد أم السيد؟
يضعنا ساتيا جيت راي أمام هذا السؤال في فيلمه «الخلاص» (Deliverance، 1981). والإجابة التي يقترحها الفيلم قاسية وبسيطة في آنٍ واحد: المسؤول ليس من يضع نفسه في مقام السيد، بل من يقبل أن يضع نفسه في مقام العبد. فالخلاص من العبودية يبدأ حين يتوقف الإنسان عن الذهاب بنفسه إلى من يمنحه سلطةً عليه.
هذا ما فعله الإسكافي «دوخي»، المنتمي إلى طبقة المنبوذين، حين قصد الكاهن الإبراهيمي، المنتمي إلى طبقة أعلى، ليحدد له يومًا مباركًا لخطبة ابنته. لكن الكاهن، بدل أن يؤدي الخدمة، كلّفه بأعمال شاقة، رغم مرضه ورغم أنه لم يتناول شيئًا منذ الصباح. وتحت وطأة الجوع والإرهاق، يسقط الإسكافي ميتًا.
تبقى جثته ملقاة في مكانها حتى المساء، ثم يجرّها الكاهن ويلقي بها حيث تُلقى جثث الحيوانات النافقة. وينتهي الفيلم بعودة الكاهن إلى طقوسه المعتادة، منشغلًا بتطهير المكان من «نجاسة» الإسكافي، وكأن الميت هو المذنب، لا قاتله.
لا يرفع ساتيا جيت راي صوته بالمواعظ، ولا يخطب في المشاهد، ومع ذلك تصل رسالته بوضوح: إنها عبودية مختارة، لا تُفرض بالقوة وحدها، بل يكرّسها الخاضعون لها بإرادتهم. وهذه ليست قصة الهند وحدها، بل قصة تتكرر في مجتمعات كثيرة، بأسماء وأقنعة مختلفة. فـ«الإبراهيمي» في الهند قد يكون «الهاشمي» أو غيره في مكان آخر؛ ذاك الذي يُطلب منه أن يبصق في الماء طلبًا للبركة، وتُقبَّل قدماه، وتُجبى له الأموال طوعًا، ويُعامل كما لو كان فوق البشر.
إن جذع الشجرة الذي عجز الإسكافي عن قطعه ليس سوى رمز لشجرة العبودية العميقة الجذور في المجتمع. صحيح أن الغضب يملأ عيون الناس مما اقترفه الكاهن، لكنه غضب لا يتحول إلى ثورة. والفأس التي كان يهوى بها الإسكافي على الجذع اليابس كان يمكن أن تتجه إلى رأس النظام الذي استعبده، لا إلى شخص بعينه. غير أن الثورة الحقيقية لا تبدأ بالعنف، بل تبدأ بفعلٍ أكثر بساطة: أن تمتنع عن الذهاب إلى الكاهن، وأن تكف عن الإيمان بقداسته أو بامتلاكه سلطة على مصيرك.
لعل الإنسان، عبر التاريخ، كائن مولع بالعبادة. فإن لم يعبد إلهًا متعاليًا عبد شجرًا أو حجرًا، وإن لم يجد شجرًا ولا حجرًا عبد بشرًا. وليس من أشكال العبادة ما هو أشد خطرًا من عبادة البشر.
يمكن أن نقرأ في الأديان السماوية محاولةً لنقل العبودية من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. غير أن هذه الأديان نفسها استُخدمت، في كثير من الأحيان، أداةً لاستعباد الناس باسم الله؛ إذ ادّعى بعض البشر أنهم يتحدثون باسمه، أو أنهم يملكون حق الوصاية على الآخرين، فصدقهم ملايين الباحثين عن الخلاص خارج ذواتهم، واستمروا في تقديس البشر بدلًا من تحرير أنفسهم منهم.
أقصى ما تستطيع القوانين أن تفعله هو تجريم العبودية، لكنها لا تستطيع أن تمنع الإنسان من أن يبيع حريته طوعًا، من دون عقدٍ أو قيد. وكما يقول المثل: «يمكنك أن تقود الحصان إلى النهر، لكنك لا تستطيع أن تجبره على الشرب.» وربما كان الحصان، في هذه الحالة، أكثر إدراكًا لمعنى الحرية من الإنسان نفسه.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية