في آخر القرية
كان هناك رجلٌ
لا يعرفه صخب العالم،
لكن الأرض كانت تعرف خطاه…
يمشي إليها كل صباح
بكفين أنهكهما العمر،
فيغرس في صدرها بذرةً
كأنه يغرس وعدًا جديدًا للحياة.
لم يكن يملك سوى كوخٍ صغير،
وقلبٍ كبير يتسع للجميع،
كان يحمل خبزه بيده،
ويحمل هموم من حوله في قلبه،
ولا يسأل يومًا
من يحمل تعبه حين يثقل المساء.
يعود مع الغروب
وعلى كتفيه بقايا النهار،
وفي ثيابه رائحة الحقول،
كأن الشمس حين ترحل
تترك آخر خيوطها فوق كتفيه امتنانًا له.
لم يكن ينتظر مديحًا،
فبعض الأرواح خُلقت لتمنح فقط،
كالأشجار التي تعطي ظلها للعابرين
ولا تسألهم عن أسمائهم.
كان يرى في الأرض أمًّا،
وفي العرق صلاة،
وفي لقمة الخبز التي يضعها أمام أهله
انتصارًا صغيرًا على قسوة الأيام.
وحين غاب…
لم يُكتب اسمه على جدار،
ولم تُرفع له راية،
لكن الباب ظل ينتظر يده،
والطريق حفظ وقع خطواته،
والتراب افتقد الكفين
اللتين كانتا توقظان فيه الحياة.
هؤلاء لا تصنعهم الشهرة،
ولا تحفظهم دفاتر التاريخ،
لكن الله يعلم عدد الليالي التي صبروا فيها،
وعدد الأحمال التي حملوها صامتين.
فبعض الرجال لا يكون مجدهم
فيما يملكون،
بل فيما يمنحون…
إنهم أولئك الذين تحملهم الأيام فوق أكتافهم،
ومع ذلك… لا تنحني أكتافهم.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية