رحلة مع ديوان الشاعر اليمني الرومي(( حيدر آغا))

من سلسلة قرأت لكم
بقلم:كمال محمود علي اليماني

قدم الاستاذ دكتور إبراهيم أبو طالب للمكتبتين اليمنية والعربية (( ديوان حيدر آغا)) ، وهو أحد أمراء الغناء الصنعاني.
الكتاب من إصدارات عناوين بوكس لهذا العام، وجاء في 230 صفحة. ولقد عمد دكتور إبراهيم أبو طالب إلى جمع ودراسة وتحقيق هذا الديوان، ونلمس من خلال المقدمة ما واجهه من صعوبات تتمثل أهمها في عدم وجود ديوان محطوط لهذا الشاعر يجمع قصائده؛ مما استدعى اللجوء إلى بعض الباحثين والمهتمين من أصدقائه ( أعني د. إبراهيم)، الذين قدم لهم جزيل شكره وتقديره خلال تلكم المقدمة، والذين أمدوه ببعض المخطوطات التي استخرجت من مكتبه باريس الوطنية، ومكتبه الفاتيكان، كما وجد بعضها في مخطوطات يمنية نشرت في مواقع التواصل الاجتماعي.
وكان قد راسل ثلاث مكتبات تركية للسؤال عن قصائد حيدر آغا المكتوبه باللغة التركية غير أنه لم يرجع بشيء.
ولقد رجع لتحقيق ودراسة قصائد هذا الديوان إلى عدد غير قليل من المراجع والمصادر المطبوعة قديما وحديثا قاربت الستين مرجعا ومصدرا.
قسم أبو طالب كتابه قسمين تناول القسم الأول دراسته للشاعر، من حيث اسمه ولقبه ومولده وصفاته، ومن حيث مكانته الأدبية عند القدماء والمعاصرين، ثم أعقبها بوفاته. وتحدث في هذا القسم أيضا عن مصادر شعره وترجمته؛ وهي المصادر المطبوعة قديما وحديثا كما أشرنا سلفاً. وكذا المخطوطات والسفن( المجامع الشعرية )، وأورد أيضا نبذة تاريخية عن العصر الذي عاش فيه شاعرنا حيدر آغا، لما في ذلك من أهمية قصوى للاقتراب من شخصيته، ومن شعره، ثم أبان- قبل أن يختم هذا القسم- بعض الأمور الفنية المتعلقة بكتابة بعض المفردات وتشكيلها في الديوان، وكذا عن ماهية عمله في هذا الديوان.
وأفرد القسم الثاني للديوان وماحواه من قصائد حمينية وحكمية.
فمن هو الشاعر حيدر آغا ؟
هو( أبو أحمد حيدر آغا بن محمد الرومي .. توفي 1070 هجرية 1659 ميلادية)، ويكنى أبو محمد – في بعض المصادر – وهو أمير، شاعر، موسيقار، تركي الأصل، يمني الدار والوفاة، معظم شعره بالتركية، ولم يصلنا من شعره الا القليل ، وكان ميلاده بصنعاء من أب تركي، ويبدو أنه من الأتراك العثمانيين الذين تخلفوا بعد جلاء الحكم العثماني عن اليمن . ومعنى آغا بالرومية نقيب العسكر.
ذُكر من صفاته أنه كان أسمر، يلبس زي الجند، كثير الفكرة والوحدة، عليه سكينة ووقار، وكان ظريفا، وكانت له يد في الموسيقى، وضرب العود لنفسه.
ولقد كانت له مكانته الأدبية الرفيعة لدى معاصريه من أمثال: محمد أمين المحِبّي، ويوسف بن يحيى الحسني، ومصطفى بن فتح الله الحموي، وأحمد بن محمد الحيمي الكوكباني، والمحسن بن الحسن أبو طالب، وكذا أحمد بن محمد الشرواني، وقد امتدحه كل هؤلاء، وامتدحوا شعره كثيرا، فقالوا عنه إنه فاضل سَبْقٍ في حلبة الشعر، وإنه كان شاعرا مفلقا، وكان الأغلب على شعره الإجادة، وإنه من شعراء العصر المتنوعين في الملاحة والمِلح .
وكانت له مكانته عند الأدباء المعاصرين أيضا، حيث جاء ذكره عند دكتور محمد عبده غانم في كتابه ( شعر الغناء الصنعاني)، والأستاذ محمد مرشد ناجي في كتابه ( الغناء اليمني القديم ومشاهيره) ، والأستاذ عبد الله محمد الحبشي في كتابه ( الأدب اليمني عصر خروج الاتراك من اليمن) ، والدكتور جعفر الطفاري في كتابه ( الشعر الحميني في اليمن) ، ومما ورد عنهم إنه كان متفوقا في الشعر الحكمي والحميني، كما كان عازفا على العود، وإنه لعب دورا ذا بال في تطوير الموسيقى اليمنية ، وإنه من الشعراء الكبار الذين عرفتهم اليمن، وكانت وفاته على الأغلب سنه 70 والف هجرية.
ولقد عاصر الشاعر حيدر آغا حكم ثلاثة أئمة على الأقل، كما عصر الكثير من أعلام الأدب والعلم والسياسة والتاريخ، ولعل أهم قصائده هي التي أوردها الأستاذ دكتور إبراهيم أبو طالب على صفحه غلاف كتابه، وهي أغانٍ شهيرة وردت على النحو التالي:
من يبلغ غزال رامه
عليك واناقض لتلك العهود
حوى الغنج والتفتير
شاقني صوت الحمامة
رسولي قوم بلغ لي إشارة
بلغ الأحباب عنا يا نسيم
وعبثا يحاول المرء أن يختار نماذج من أشعاره لتقديمها تبياناً لجميل شعره، وحسبي أن أختار بعضا من الأبيات، وإن كان الديوان زاخرا بالكثير من القصائد الجميلة.
بلغ الأحباب عنا يا نسيم.. أطيب الأخبار
واشتكي حالي على ظبي الصريم.. مزري الاقمار
قل: أنا مضنى وفي ليلي أهيم .. حائر الأفكار
لم أذوق النوم في الليل البهيم ..من فراق الجار
وهي من الشعر الحميني، ومما يلفت نظر غير العليم بالشعر الحميني، عدم التزام الشاعر بقواعد النحو العربي الفصيح، وهذه هي إحدى ميزاته. وأختار من الفصيح:
إذا ما طال من أهوى … فذاك الطول عن شان ِ
مقاطفُ حسنه ينعت… فطال ليمنع الجاني

وما يلفت الانتباه أن الشاعر حيد آغا كان يلجأ بين الحين والآخر إلى استخدام آيات قرآنية أو جزء منها في شعره، كما في قوله مثلا:

لقيتُ في المتوضى ..ريماً به القلب لاذا
أتى الرقيب فنادى..(( اركض برجلك هذا))
وكذا قوله:
وزنبق مجلس بين الندامى ..كشيخ حاز لطفا في وقار
يريك إذا تلا:((إنا فتحنا)) .. عمود الفجر في ضوء النهار

كانت رحلتي مع الشاعر حيدر آغا في الكتاب الذي جمعه ودرسه وحققه د.إبراهيم أبو طالب رحلة ممتعة وماتعة ،

ختم د. أبو طالب كتابه بفهارس عدة للآيات القرآنية، والأحاديث النبوية ، والأبيات الشعرية ، والأمثال، والأعلام والأسماء، والأماكن والبقاع والبلدان ،ولمصادر التحقيق ومراجعه، واختتمها بفهرس لمحتويات الكتاب.
ويكون بهذا قد قدم كتابا مستوفيا كل الشروط البحثية ، والتي تعين اللاحق على السير في طريق معبدة.

****

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!