تعدّيتُ مرحلةَ الشِّعرِ بمرتبةٍ كبيرةٍ،
هكذا يكذبُ البعضُ حينَ ينعتونني
كلّما كتبتُ ولو (طقطوقةً) قصيرةً!
( ١ )
لم أكنْ أبدًا كما يدّعونَ شاعرًا بالفطرةِ،
لم تكن لي افتتاحيةٌ في جرائدِ الثورةِ،
لم أفصلْ من أجسادِ النساءعباءةً،
ما زلتُ أفشلُ حتى في بناءِ كُثيّبٍ صغيرٍ من حلماتِ الماءِ،
ولو قطرةً.. قطرةً!
لم أكن شاعرًا قُحًّا..
شتّانَ بين شاعرٍ قُحٍّ وآخرَ وقحٍ،
وإن تساوتِ المسمّياتُ في فهارسِ أوراقِ الكتبِ الصفراءِ!
أمي تتباهى ببياضي أمامَ بناتِ الجيرانِ،
ومع ذلك يُصرُّ أبي على اسمراري،
كلّما صرخَ في وجهي: (يا أبا سمرةَ!)
سُمرتُنا—نحنُ أهلَ الجنوبِ—خارجَ سياقِ الشِّعرِ،
بعيدةٌ عن التأويلِ، وحذلقةِ النقّادِ،
ولو أشعلتَ لهم أصابعَك العشرةَ!
( ٢ )
لا أُنكرُ..
لستُ بشاعرٍ عُذريٍّ،
وأبناءُ عُذرةَ ليسوا أعمامي،
لا خولةَ لي مع الصعاليكِ،
وإن كنتُ مدينًا بالكثيرِ لعمّتي نخلةِ البصرةِ!
الفطرةُ بيضاءُ.. هكذا أرادَ لها الربُّ،
فلماذا اسودّتْ وجوهُ رجالٍ يحسبونَ الشِّعرَ معضلةً كبرى؟
ألم يكنِ الشِّعرُ فكرةً؟
أليسَ الشِّعرُ في ذهنِ الإلهِ فكرةً؟
أليسَ الشِّعرُ خيطًا لا يُرى جهرةً:
بين الخبزةِ والتمرةِ،
بين الحصاةِ والجرّةِ،
بين الزرقةِ والخضرةِ،
بين النظرةِ والنظرةِ..؟!
( ٣ )
لم أكن شاعرًا بالفطرةِ،
لا يوجدُ بين أوراقي وصلٌ لجمهرةِ الشعراءِ،
لم تلعبْ برأسي شياطينٌ حمراءُ،
ولم تُعاقرْني الخمرةُ صباحَ مساءَ؛
لا أكتبُ سوى بغبارِ طباشيرَ لسبّوراتِ عمرٍ أكلَ الملحُ خيوطَها،
وراحَ بين الرحلاتِ يبحثُ عن عمرِه!
أبي؛
لم يحفظْ بحورَ الشِّعرِ،
ولم يتداركْ ما فاتَ،
إلا حينَ أعشتْ عيناهُ اليمنى واليسرى.
أمي؛
لم تتغزلْ بكعكِ أعيادِ الميلادِ،
ما زالت تلبسُنا أثوابَ إخواني..
تفصّلها على مقاساتِ الجوعِ،
خارجَ سياقِ العوزِ،
داخلَ نطاقِ الأسرةِ.
.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية