نعيق الغراب/ بقلم:الزهراء العامري

للأصوات مسمّيات،
نسمعها… نفهمها،
ورغم اضطراب مسامعنا
ما زلنا نلتقط كل ما يدور حولنا.
نسمع
نهيق الحمير،
نباح الكلاب،
زقزقة العصافير،
خرير المياه…
فجاذبية الأصوات،
كالجاذبية الأرضية،
لم تُحصر بعد!
لكننا اليوم سنحصر
ذاك الصوت
الذي أربكنا صداه،
وحيّرتنا ذبذباته،
ولم نفهم معناه بعد…
كنعيق غراب.
يحمل صوته في جيناته،
كما يحمل لونه،
فالغراب أذكى
من أن يكون متنمّرًا؛
بل كان معلّمًا للإنسان
حين علّم قابيل
كيف يواري سوءة أخيه.
لكننا اليوم
نسمع نعيقًا آخر،
بلونٍ مظلم،
لإنسانٍ لم يُخلق هكذا،
بل اختار
للصوت أذًى،
وللنفس سوادًا.
إنسان لم يتصالح
مع ذاته وكيانه،
يؤذي ليشعر بالقوة،
يسخر ويدّعي المزاح،
يجرح ويدّعي الصراحة،
يمارس الوقاحة
تحت مسمّى الجرأة.
نرجسيّ
يفتقد التعاطف،
ويبرّر:
«أمزح»،
«يستاهل»،
«حسّاس»…
يخرج من اكتئابه وضعفه
بجرح من حوله،
ليشعر هو
بارتياحٍ نفسيٍّ زائف.
وحين نفهم المعنى الحقيقي
لصوت المتنمّر،
نسمع صوتًا داخليًا يقول:
لسنا من أربكه ضجيجه،
ولن نمنح الفراغ قيمة.
لكنّ المتنمّر
قد يشغل حيّزًا
في نفس من يتعرّض له:
فوبيا الثقة بالذات،
الخوف،
القلق،
الاكتئاب،
العزلة…
وربما فقدان الصوت
عن التعبير.
فلنَعِ،
ونفهم،
ونتعلّم،
ونوقن
أننا لم نُخلق
لنسمح للضجيج
أن يزعج مسامعنا
وأبداننا
ومشاعرنا.
نحن نؤمن بذواتنا،
نحن صُمّ
لأصواتٍ تؤذينا،
أوعى وأقوى،
فأحيانًا
يربك الضجيجُ الصمت.
وإن اعتاد الأذى التمدّد
في السكوت،
فليتكلم الصوت،
تحدّث، عبّر…
لا تنزوي.
اطلب المساعدة،
ابحث عن نفسك،
مارس هواياتك،
اكسر الاكتئاب،
اضحك، افرح،
ولا تُدقّق في العابر.
وإن لم تفهم الأصوات،
فاجعل لك كما قيل
“أذنًا من طين وأذنًا من عجين”
انظر للأبواب والنوافذ حولك،
فزواياك
لا يسكنها
إلا ما تسمح له.
تعلّم كيف تنجو،
تقوّي روحك،
وتحمي نفسك.
فمن واجه التنمّر
ولم يفقد نفسه،
خرج إنسانًا
يعرف قيمته… وحدوده.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!