كتبت :حنان الأمين
هناك تواريخ لا تمرّ على الشعوب كما تمرّ بقية الأيام. تبقى معلّقة في الذاكرة، لا لأن التقويم احتفظ بها، بل لأن وراءها حكاية من الخوف والأمل، من الخسارة ومحاولة النهوض.
والأول من حزيران عام 1975 واحد من تلك التواريخ التي لا يمكن فصلها عن ذاكرة الكورد، ولا عن التحولات الكبيرة التي شهدتها الحركة السياسية الكوردية في العراق.
في ذلك العام، كان المشهد مثقلًا بالانكسار. انتهت مرحلة، وتشتتت آمال كثيرة، وبدا أن الطريق الذي سار فيه الكورد طويلًا قد وصل إلى جدار مسدود. وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون أصعب الخسارات هي الخسارة نفسها، بل أن يقنع الإنسان قلبه بأن يبدأ من جديد.
ومن بين ذلك الركام جاء تأسيس الاتحاد الوطني الكوردستاني.
لم يكن التأسيس مجرد إعلان عن حزب جديد في خريطة سياسية مزدحمة، وإنما كان محاولة لاستعادة القدرة على الفعل، وفتح طريق آخر أمام مشروع سياسي وجد نفسه أمام مرحلة شديدة القسوة. وفي الأول من حزيران عام 1975 أُعلن بيان تأسيس الاتحاد، لتبدأ مسيرة ستصبح لاحقًا جزءًا من تاريخ العراق السياسي الحديث.
وفي قلب هذه المسيرة يظل اسم جلال طالباني حاضرًا بقوة. فقد كان مام جلال أحد أبرز الوجوه التي ارتبطت بتأسيس الاتحاد ومسيرته، ثم أصبح لاحقًا شخصية محورية في الحياة السياسية الكوردستانية والعراقية.
كان يمتلك قدرة لافتة على قراءة اللحظة السياسية، وعلى الانتقال بين أدوات مختلفة حين تتغير الظروف؛ من النضال إلى التفاوض، ومن المعارضة إلى الحوار، وصولًا إلى مؤسسات الدولة.
ولعل وصوله إلى رئاسة جمهورية العراق كان إحدى أكثر محطات تجربته دلالة. فالرجل الذي خرج من قلب الحركة السياسية الكوردية وجد نفسه في أعلى موقع دستوري في الدولة العراقية، حاملاً معه تاريخًا طويلًا من الصراع والسياسة والتفاوض.
وبين الموقعين مسافة واسعة، لا تقاس بالسنوات وحدها، وإنما بما شهدته تلك السنوات من تحولات في العراق والمنطقة، ومن تغير في أدوات العمل السياسي وموازين القوى.
لكن الاتحاد الوطني الكوردستاني لم يكن مسيرة مرحلة واحدة، بل تجربة امتدت وتغيرت وتراكمت فيها الأدوار. فقد واصل رفاق البدايات ومن جاء بعدهم حمل مسؤولية الحزب، وتوالت القيادات والكوادر والأجيال التي تركت لكل مرحلة أثرها، وأضافت إلى التجربة ما فرضته عليها ظروفها وأسئلتها.
وهنا تكمن أهمية النظر إلى الاتحاد بوصفه تجربة حية؛ تجربة لم تتوقف عند لحظة التأسيس، ولم تتجمد عند مرحلة بعينها، بل ظلت تتحرك مع التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها العراق وكوردستان.
وككل تجربة سياسية طويلة، مرّ الاتحاد بمحطات صعبة، وخلافات وتباينات وتحولات. وهذه ليست تفاصيل ينبغي إخفاؤها حين نكتب التاريخ، بل أجزاء منه. فالتجربة السياسية التي تعيش عقودًا لا يمكن أن تكون خالية من الاختلاف، ولا يمكن أن تُقرأ بصفحة واحدة.
والإنصاف لا يعني أن نضع الماضي في ميزان المديح وحده، كما لا يعني أن نفتش فيه عن الأخطاء وحدها. الإنصاف أن نرى الصورة كاملة؛ أن نحفظ للتضحيات قيمتها، وللإنجازات مكانها، وللتجربة حقها في أن تُقرأ كما كانت.
بعد رحيل مام جلال، انتقلت المسيرة إلى مرحلة أخرى.
وكان على الذين واصلوا الطريق أن يتعاملوا مع إرث سياسي كبير، ومع زمن مختلف، وأسئلة جديدة لم تكن هي نفسها أسئلة البدايات. وهذه مسؤولية لا تقل صعوبة عن مسؤولية التأسيس؛ لأن الحفاظ على تجربة طويلة لا يعني تكرارها، بل القدرة على فهم ما فيها من قيم، ثم التعامل معها بما يناسب الزمن الجديد.
فالقيادات التي تأتي بعد المؤسسين لا تعيش الزمن نفسه الذي عاشه المؤسسون، ولا تواجه التحديات ذاتها. لكنها تحمل شيئًا أثقل: ذاكرة السنوات السابقة، وتطلعات الذين ينتظرون منها أن تحافظ على مكانة الحزب وتفتح أمامه آفاقًا جديدة.
ومن هنا، فإن مسيرة الاتحاد الوطني الكوردستاني هي أيضًا مسيرة الذين واصلوا الطريق؛ أولئك الذين حملوا المسؤولية في مراحل مختلفة، وعملوا في ظروف سياسية متبدلة، وحاولوا أن يحافظوا على حضور الحزب ودوره في المشهد الكوردستاني والعراقي.
وليس من الوفاء للمؤسسين أن نبقي تجربتهم معلقة في الماضي، بل أن نمنح من جاء بعدهم حقه في قراءة زمنه والعمل داخله.
لقد وضع جلال طالباني ورفاقه الحجر الأول في زمن بدا فيه الأمل هشًا، ثم حملت أجيال أخرى ذلك الإرث عبر عقود تغير فيها الكثير.
تغيرت الخرائط، تبدلت التحالفات، جاءت أزمات ورحلت أخرى، وتغيرت مواقع كثيرة، لكن بعض الأشياء بقيت أكثر رسوخًا من الأحداث العابرة: ذاكرة التأسيس، وأسماء الذين رحلوا، وتضحيات الذين مضوا، وحضور الحزب في الحياة السياسية.
وربما لهذا لا يمكن النظر إلى الاتحاد الوطني الكوردستاني باعتباره مجرد اسم في سجل الأحزاب العراقية. خلف الاسم تاريخ طويل من الأشخاص والمواقف والخيارات، وتفاصيل كثيرة صنعتها سنوات لم تكن سهلة.
وحين يُذكر مام جلال في هذا السياق، فإنه يُذكر بوصفه رجلًا ترك أثرًا عميقًا في مسيرة الحزب وفي الحياة السياسية العراقية. وحين تُذكر الأجيال التي جاءت بعده، فإنها تُذكر بوصفها جزءًا من استمرار تلك المسيرة، بكل ما حملته من اجتهادات وتحديات ومسؤوليات.
فالحكايات الكبيرة لا يكتبها شخص واحد، حتى وإن كان لبعض الأشخاص فيها حضور استثنائي.
يكتبها الزمن، ويكتبها الناس، وتكتبها المواقف التي تتراكم حتى تتحول إلى تاريخ.
وهذا هو الذي يجعل تاريخ الاتحاد الوطني الكوردستاني جديرًا بالقراءة؛ لأنه لا يحكي عن لحظة ولادة حزب فحسب، بل عن رحلة طويلة من محاولة تحويل الحلم إلى حضور، والحضور إلى دور، والدور إلى مسؤولية.
وهنا الأمانة تقتضي أن نحترم الذين بدأوا، وأن نقدر الذين واصلوا، وأن نقرأ التجربة بوعي يليق بحجم السنوات التي صنعتها.
ولعل أجمل ما يمكن أن يبقى من كل مسيرة سياسية طويلة هو قدرتها على أن تترك خلفها معنى يتجاوز أسماء أصحابها: معنى أن الإنسان يستطيع، بعد الانكسار، أن يبدأ من جديد؛ وأن الفكرة حين تجد من يؤمن بها يمكن أن تعبر سنواتها الصعبة، وتظل تبحث عن مكان لها في المستقبل.
وهكذا يبقى الاتحاد الوطني الكوردستاني فصلًا مهمًا من تاريخ الكورد والعراق؛ فصلًا كتبته أجيال متعاقبة، وكان لجلال طالباني ورفاق البدايات فيه حضور لا يمكن تجاهله، كما كان لمن جاء بعدهم دور في مواصلة الطريق.
وبين البداية وما بعدها، تبقى الحكاية مفتوحة.
فما كُتب في الأمس صار تاريخًا، وما يُكتب اليوم سيصبح غدًا جزءًا من الذاكرة.
وهنا تصبح المسؤولية أكبر من مجرد الحفاظ على اسم أو شعار؛ إنها مسؤولية أن يبقى ما يستحق الحياة من تلك التجربة حاضرًا في الوعي، وأن تظل المسيرة قادرة على النظر إلى المستقبل بعين تعرف جيدًا من أين جاءت.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية