عندما تغترب النَّفس/بقلم:الشّاعرة الجزائرية زهرة بن عزوز

عندما تغترب النَّفس
لا يعلن الرّحيل عن نفسه
لا حقائب عند الباب
ولا يد تلوّح للغياب
فقط
يبهت شيء في الدّاخل
كأنّ الرّوح أطفأت أعماقها
وجلست خلف الزّجاج
تراقب العالم
من جهة لا يصلها النّور
نصير غرباء
عن الأشياء التي صنعتنا
البيت هو البيت
والطريق يعرف أقدامنا
والوجوه التي ألفناها
ما زالت تحفظ أسماءنا
لكنّ القلب
يجيء متأخّرا عن نفسه
كلّ مرّة
ثمة وطن مفقود
لا يقع على الخريطة
وطن من رائحة
من صوت عابر
من يد كانت تربّت على كتف الخوف
ثم غابت
نبحث عنه
في المدن
في الوجوه
في ازدحام المقاهي
وفي النّوافذ المسافرة
ولا ننتبه
أنّنا نحمل المنفى
تحت أضلاعنا
يا لهذا القلب…
كم مدينة يستطيع أن يسكن
قبل أن يصبح
بلا طريق؟
كم مرآة يحتاج
ليتعرّف إلى وجهه
بعد أن تعبره
كلّ هذه السنوات؟
نحن لا نغترب
حين نبتعد
نغترب
حين تصبح المسافة
بيننا وبين أنفسنا
أطول من الطّريق إلى أيِّ مكان
عندها
يصبح الصمت لغة ثانية
ويصبح الليلُ غرفة بلا جدران
وتصير الذكريات
طيورا سوداء
تنقر زجاج القلب
كلّما حاولنا النوم
نقول: نحن بخير
ونعرف
أنّ بعض العبارات
مقابر صغيرة
تدفن فيها الحقيقة
ثم نمضي…
نجرّ ظلّنا خلفنا
كمن يجرّ بيتا احترق
ولم يجد له
غير الذّاكرة سقفا
وفي آخر الليل
حين يخلع العالم ضجيجه
تجلس النّفس وحيدة
أمام مرآتها القديمة
لا تسأل:
أين الوطن؟
بل تسأل
بصوت يكاد لا يسمع:
متى تركت نفسي؟
ومنذ ذلك السؤال
يبدأ الرّجوع
ليس إلى مدينة
ولا إلى بيت
ولا إلى زمن مضى
بل إلى تلك النقطة العميقة
الّتي لم يصل إليها الخراب
حيث ما زالت الرّوح
تحتفظ بجمرة صغيرة
من اسمها الأوّل
هناك
حيث لا خرائطَ للمنفى
ولا أبواب للغربة
تضع النّفس رأسها
على كتفها
وتبكي…
لأنها اكتشفت
أنّ الوطن
كان يسكنها
طوال الوقت

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!