محمد عبد الكريم يوسف
تمهيد: الشاعر وعالمه
خزعل الماجدي (مواليد 1951، كركوك) هو شاعر عراقي، وكاتب مسرحي، وباحث متخصص في ميثولوجيا الشرق وتاريخ الأديان. حصل على درجة الدكتوراه في التاريخ القديم من معهد التاريخ العربي والتراث العلمي للدراسات العليا في بغداد عام 1996. صدر ديوان فيزياء مضادة لأول مرة عام 1997 عن مكتبة المنصور في بغداد، ثم أعيد إصداره عام 2022 عن مؤسسة أبجد، والنسخة المتاحة عن مؤسسة هنداوي عام 2024.
يضم الديوان 100 قصيدة نثر قصيرة مركزة، وقد وصفه الماجدي بأنه “جزء من مشروعي الشعري وفي حقل قصائد النثر”. العنوان “فيزياء مضادة” يحمل دلالة عميقة؛ فهو ليس فيزياء آينشتاين، بل “فيزياء الوردة” كما يشير الناقد نعيم عبد مهلهل، أي فيزياء مغايرة تبحث في جوهر الخلق والوجود والجسد والروح.
أولاً: الأفكار المركزية في الديوان
- العودة إلى الجذور السومرية
يُعد الاستلهام من الحضارة السومرية العمود الفقري لرؤية الماجدي في هذا الديوان. تفتتح المجموعة بقصيدة “احتفظ بمحراثك” التي تخاطب السومري مباشرة:
“احتفظ بمحراثك أيها السومري، احتفظ به، فسيعود ذلك اليوم الذي كنت تحرث به ألغاز الأرض وتقطف ثمارها… ألفان قبل الميلاد، ألفان بعد الميلاد، لا بأس! كلُّها ستنقشِع، ولكن… احتفظ بمحراثك”
يمثل “المحراث” هنا رمزًا للهوية والأصالة والاستمرارية. يرى الناقد نعيم عبد مهلهل أن هذا النص “يرتدي قميص النصيحة كرؤيا وقراءة تؤسطر وقائع ما نعيشه، ولكن عبر خيط انتماء من أول لغة المحراث وحرفها المسماري وإلى اليوم”. إنها دعوة للتمسك بالجوهر الحضاري في وجه العواصف التاريخية.
- نقد الحضارة المعاصرة وانحسار الإنساني
يتناول الديوان أزمة الإنسان المعاصر من خلال مقارنات صارخة بين عالم الحيوان وعالم الإنسان. في قصيدة “حين دخلتُ إلى الغابة” نقرأ:
“حين دخلتُ إلى الغابة تعاملَ الفيلُ معي كفيل، ومدَّ لي خرطومَه. والأسدُ تعاملَ معي كأسِدٍ وصافحني، والأفعى تعاملت معي كُعْبانَ، وهزَّت ذيلَها. أما الإنسان… فقد حاول اصطيادي”
هذه القصيدة تلخص رؤية الماجدي للإنسان المعاصر الذي تخلى عن إنسانيته وتحول إلى مفترس، بينما بقيت الحيوانات على طبيعتها. إنها نقد لاذع للاغتراب الأخلاقي في العصر الحديث.
- الحب والجسد والأنوثة
يولي الماجدي الجسد والأنوثة مكانة مركزية في رؤيته الشعرية. في قصيدة “الحقيقة” يكتب:
“الحقيقةُ مع امرأة تغتسلُ لوحدها… الرحَمُ الأحمرُ المُلتَهبُ… ضوءُ يأتي من جسدِ امرأةٍ يكفي أن يُضيءَ الكونَ بأكمله… هذا الضوءُ يُثري فينا رائحةً تُشبهُ رائحةَ الذهب”
هنا تتجلى الأنثى بوصفها وعاء الحقيقة ومنبع النور الوجودي. وفي قصيدة “رجل يتطرف” يصف الماجدي الرجل المكتمل بأنه “أحلى من كأس، ومن طعنة طريَة، ومن أنثى لَبِقَة قافزة بين الحقول”. الأنوثة في شعره ليست مجرد موضوع، بل قوة خلاقة ومركزية في الوجود.
- الموت والانقراض والتلاشي
يمتد الماجدي في تأملاته حول الموت والانقراض إلى نطاق كوني. في قصيدة “الديناصور” يتتبع مسار انقراض الكائنات القوية:
“الديناصور تضخمَ واستوحش ثمّ انقرض… ساللة القوة، كُلُّها، في طريقها لالنقراض، فما الذي تبقى؟ البقرةُ والطيرُ والقطةُ والحمار، الساللةُ الأخرى، ساللةُ الضعفاء، الساللةُ المضادةُ للقوة”
هذه الرؤية تقدم تأملًا فلسفيًا في جدلية القوة والضعف، وتطرح سؤالًا حول مصير الحضارات التي تبني نفسها على الغطرسة والقوة المجردة.
- الصمت والمواجهة
تدعو قصيدة “اصمتي” إلى الصمت كموقف وجودي:
“اصمتي يا حياتي ولنسحب منك الطمأنينة والهدوء… ولننتظر الرخ الذي يشق سماءنا وتاريخنا”
يرى الناقد نعيم عبد مهلهل أن هذه القصيدة “هي دعوة لنتكلم ولا نصمت حين يكون الأمر مرهوناً بهزة روحية تجتاحنا”. الصمت هنا ليس استسلامًا، بل ترقبًا واستعدادًا للتغيير.
ثانيًا: القيم والمعارف في الديوان
- قيمة التراث بوصفه جذوة حية
يقدم الماجدي التراث السومري ليس بوصفه مادة تاريخية جامدة، بل كجذوة حية تمد الحاضر بطاقة وجودية. في قصيدة “قديمًا” يكتب:
“قديمًا بنينا المعابد، وحطمتها زلازل أسئلتنا الدائمة… أما اليوم فقد أفقنا من هذه الأوهام، ولم تعد حياتنا سوى نكتة عابرة”
هذا الحضور للتراث يمنح الديوان عمقًا معرفيًا يمزج بين الأسطورة والتاريخ والراهن.
- نقد السلطة والسياسة
يكشف الماجدي عن موقف نقدي حاد من السياسة والسلطة. في حوار له، يقول: “السياسة تحتقر الشاعر وتستخدمه وتجعل منه خرقة لمسح وجهها القبيح”. هذا الموقف يتجلى في قصائد مثل “يقفون”:
“يقفون في طريقي أصحابُ البأس… لكنَّني أتقدمُ، أتقدمُ في خاليا الزجاج. أتقدمُ في الحديد وفي الحجر. وأنا أحمل قلبي بين جناحيَّ، وأنسى من يقفون”
- الجمال بوصفه مقاومة
يرى الماجدي في الجمال قوة مقاومة للفناء والعبث. في قصيدة “تباعًا” يكتب:
“تباعًا هذا هو الجمالُ؛ أن تحبَّ أخطاءَك، أن تشعرَ أنكَ دونَ مقاييسَ دونَ أثقال. أن تبدو خفيفًا. الجمالُ خفيفٌ… خفيفٌ جدًّا”
الجمال هنا ليس زينة سطحية، بل موقف وجودي من الحياة.
- وحدة الوجود والبحث عن المطلق
يتجاوز الماجدي في كثير من قصائده الحدود المادية نحو تأملات غنوصية:
“أيُّ أمرٍ عظيم… أن أكونَ هناك؟ حيثُ أشاهدُ كلَّ شيء؛ ما يُريدهُ المرءُ، حقًا، وما لا يُريده… هناكَ… في دماغِ الكون، في العدم”
هذه الرؤية تعكس انشغال الماجدي بالأسئلة الكونية الكبرى، وهو انشغال يجد جذوره في تكوينه الأكاديمي كباحث في الميثولوجيا وتاريخ الأديان.
ثالثًا: مختارات من قصائد الديوان
- “احتفظ بمحراثك” (القصيدة الافتتاحية)
“احتفظ بمحراثك أيها السومري، احتفظ به فسيعود ذلك اليومُ الذي كنتَ تحرثُ به ألغازَ الأرضِ وتقطفُ ثمارَها. احتفظُ بمحراثك؛ فالثيرانُ ستقوى على بعثرة كل هذا الظلام الذي أحاط بك. ألفان قبل الميلاد، ألفان بعد الميلاد، لا بأس! كلُّها ستنقشِع، ولكن… احتفظ بمحراثك”
تحليل: تمثل هذه القصيدة بيانًا شعريًا للديوان بأكمله. المحراث رمز للهوية والاستمرارية والجذور. النص يحمل نبرة وصية ونبوءة في آن، مؤكدًا على أن العودة إلى الجذور هي طريق الخلاص.
- “اصمتي”
“اصمتي يا حياتي ولنسحب منك الطمأنينة والهدوء لنسحب المغانيط التي تعلقنا في المكان الصحيح لنسحب الأغشية والمساحيق ولننتظر الرخ الذي يشق سماءنا وتاريخنا”
تحليل: قصيدة الصمت والمقاومة. تدعو إلى التوقف والترقب، وإلى خلع كل ما هو زائف ومغري، انتظارًا لحظة الانشقاق الحقيقية.
- “الحقيقة”
“الحقيقةُ مع امرأة تغتسلُ لوحدها: نورُ الأعضاء، عدساتُ الماء التي تطلي حلمَها… الرحَمُ الأحمرُ المُلتَهبُ… ضوءُ يأتي من جسدِ امرأةٍ يكفي أن يُضيءَ الكونَ بأكمله… هذا الضوءُ يُثري فينا رائحةً تُشبهُ رائحةَ الذهب”
تحليل: تأسيس للحقيقة في الجسد الأنثوي، ونفي للفصل بين المادة والروح. المرأة هنا ليست موضوعًا شهوانيًا فحسب، بل وعاء الحقيقة المطلقة.
- “حين دخلتُ إلى الغابة”
“حين دخلتُ إلى الغابة تعاملَ الفيلُ معي كفيل، ومدَّ لي خرطومَه. والأسدُ تعاملَ معي كأسِدٍ وصافحني، والأفعى تعاملت معي كُعْبانَ، وهزَّت ذيلَها. أما الإنسان… فقد حاول اصطيادي”
تحليل: نقد لاذع للإنسان المعاصر. الحيوانات تبقى على طبيعتها، بينما الإنسان يتحول إلى مفترس. القصيدة تطرح سؤالًا حول ماهية الإنسانية المفقودة.
- “الديناصور”
“الديناصور تضخمَ واستوحش ثمّ انقرض… ساللة القوة، كُلُّها، في طريقها لالنقراض، فما الذي تبقى؟ البقرةُ والطيرُ والقطةُ والحمار، الساللةُ الأخرى، ساللةُ الضعفاء، الساللةُ المضادةُ للقوة”
تحليل: تأمل في مصير الحضارات والكائنات التي تبني وجودها على القوة المفرطة. القصيدة تقدم رؤية مفارقة: البقاء للضعفاء، والفناء للأقوياء.
- “نحن”
“نحنُ نعيشُ في معدة حيوانٍ كوني، ندورُ معَ خليط طعامِه، الحيوانُ لم يكفَّ عن الأكلِ منذ آلاف السنين، لكنهُ سَيَشْعُ ذات يوم وَيَنعِسُ وينام، وربما حلمَ طويلًا… عند ذاك إما أن نخرج من مساماته بهيئة أخرى، أو نتحجز على جدرانٍ معدته كالأشنات”
تحليل: رؤية كونية عن مصير البشرية. نحن مجرد جزء من كيان كوني أكبر، ومصيرنا مرتبط بمصير هذا الكيان. القصيدة تحمل نبرة ساخرة ومريرة في آن.
رابعًا: أخطر قصائد الديوان
يمكن تحديد “أخطر” القصائد في ديوان فيزياء مضادة وفق معايير عدة: الجرأة الفكرية، نقد السلطة، كشف الزيف، والتأسيس لرؤية مغايرة.
- “حين دخلتُ إلى الغابة” – أخطرها في نقد الإنسان
هذه القصيدة تُعد الأكثر خطورة في نقدها للإنسان المعاصر. فبينما تظل الحيوانات على طبيعتها (الفيل فيل، والأسد أسد، والأفعى أفعى)، يتحول الإنسان إلى كائن مختلف، بل مفترس. إنها تطرح سؤالًا وجوديًا: هل فقد الإنسان إنسانيته؟ القصيدة تخلع عن الإنسان صفته المميزة وتضعه في موضع المتهم.
- “الديناصور” – أخطرها في نقد مشروع القوة
تهدم هذه القصيدة أسطورة القوة التي يقوم عليها كثير من المشاريع السياسية والحضارية. تتبع القصيدة مصير الكائنات القوية (الديناصور، البيسون، الفيل، الأسد، الضبع) إلى الانقراض، وتخلص إلى أن البقاء للضعفاء. إنها قراءة نقدية لتاريخ القوة ومصيرها المحتوم.
- “يقفون” – أخطرها في مواجهة السلطة
“يقفون في طريقي أصحابُ البأس… لكنَّني أتقدمُ، أتقدمُ في خاليا الزجاج. أتقدمُ في الحديد وفي الحجر. وأنا أحمل قلبي بين جناحيَّ، وأنسى من يقفون”
القصيدة تصوّر مواجهة الشاعر لسلطات القمع، وتؤكد على تقدمه رغم كل العوائق. إنها بيان مقاومة صريح.
- “الحقيقة” – أخطرها في كشف التابوهات
هذه القصيدة تجرؤ على وضع “الحقيقة” في جسد امرأة عارية تغتسل، وتصف الأعضاء الداخلية (الرحم، الكبد، الطحال) بوصفها مشهدًا مقدسًا. إنها تكسر التابوهات الجسدية والدينية، وتؤسس لنوع من “الغنوصية الجسدية” التي ترفض الفصل بين الروحي والمادي.
- “لا معابد” – أخطرها في نقد المؤسسات الدينية
“لا معابد للهرامسة على الأرض، معابدهم في السماء… هذه المعابدُ والكنائس والصوامع ليست على الأرض، كلّها في نفسي”
القصيدة تنفي شرعية المؤسسات الدينية التقليدية، وتؤسس للعبادة الداخلية، حيث المعبد الحقيقي هو النفس البشرية. إنها قراءة فردية للدين تتحدى السلطة الكهنوتية.
خامسًا: مراجع ودراسات حول الديوان
المراجع الأساسية
- الماجدي، خزعل. فيزياء مضادة. مؤسسة أبجد، 2022 / مؤسسة هنداوي، 2024.
- عبد مهلهل، نعيم. “نعيم عبد مهلهل ناقداً للشعر: فيزياء مضادة”. منشور على صفحة خزعل الماجدي على فيسبوك، 17 يوليو 2026.
- عبد مهلهل، نعيم. “القلب النبيل لنعيم عبد مهلهل وهو يقرأ ببصيرته نص (احتفظ بمحراثك أيها السومري)”. منشور على صفحة خزعل الماجدي على فيسبوك.
دراسات نقدية
- الفواز، علي حسن. “في أعمال خزعل الماجدي: غواية الكتابة في الشعر الشرقي”. القدس العربي، 13 مايو 2011.
- يشير إلى أن الماجدي في فيزياء مضادة “يضع النص إزاء الجسد في لعبة تبادل إيروسية وكونية”.
- حوار مع وديع شامخ. “حوار مع الشاعر العراقي خزعل الماجدي”. موقع الف ياء.
- يكشف الماجدي أن الديوان يضم “100 قصيدة نثر” صدرت عام 1997، وكانت “على شكل قصائد قصيرة مركزة خارج التوصيف العام”.
- Wikipedia. “خزعل الماجدي”.
- مؤسسة هنداوي. صفحة ديوان فيزياء مضادة.
مختارات شعرية من الديوان
احتفظ بمِحراثكَ
احتفِظ بمِحراثِك أيها السومريُّ،
احتفِظْ به
فسيعودُ ذلكَ اليومُ الذي كنتَ
تحرثُ به ألغازَ الأرضِ وتَقطفُ ثمارَها.
احتفِظْ بمِحراثكَ؛
فالثيرانُ ستَقوى على بعثَرةِ كلِّ
هذا الظلام الذي أَحاط بك.
ألفان قبل الميلاد،
ألفان بعد الميلاد،
لا بأس!
كلُّها ستنقَشِع،
ولكنْ …
احتفظ بمحراثك.
اصمُتي
اصمُتي يا حياتي …
ولنسحَب منكِ الطمأنِينةَ والهدوءَ.
لنسحَبِ المَغانِيطَ التي تُعلقُنا في المكانِ الصحيح.
لنسحَبِ الأغشيةَ والمساحيقَ،
ولننتَظِر الرخَّ الذي يشقُّ سماءَنا وتاريخَنا،
الرخَّ الذي يَشقُّ الخلايا بشفقةٍ وحزنٍ؛
لذلك تبدو نموري مُرهَقةً من الأَقفال،
ومن نبيذٍ يتسرَّبُ بينَ الفكَّين،
ولذلكَ يتمزَّقُ طبلٌ في مكانٍ ما،
وتتمَزقُ كفٌّ مُضرَّجةٌ بالأُنوثةِ،
ولكنَّنا لا نُفيقُ بفعلِ هذه النمورِ
المرهَقةِ الذبيحةِ الواقفةِ في مراصدِنا،
ونبقى أسرى الشمسِ. اصمُتي يا حياتي!
ويا أيتها الخمور دعينيِ أَسدُّ بكِ الفمَ الهائلَ للطبيعةِ،
الفمَ الذي يريد ابتلاعنا كلَّ لحظةٍ.
أراكِ
أراكِ وأنتِ تكرعِينَ بكأسِ الذهبِ
الفخمِ اللذَّات.
وأنتِ تَنحدِرين مثلَ سيولٍ،
وتُزمجرينَ مثل لبوةٍ.
وأراكِ تَجذبينَ الشذرَ مِن الليلِ،
وأنا أُنشِّفُ أقدامَكِ من الندى،
وأَمسحُ أَصابعَكِ،
وأُلبسُكِ الخاتمَ،
وأبوسُ يَدكِ.
الماضي
الماضي جثةُ اليدِ واللسان.
ولذلكَ اضرِبْ يَدك ولسانَكَ دائمًا
تَعِش أكثر،
وتتفتَّحُ ماساتٌ ووردٌ تحتَ رمادِكَ.
اضرِب يَدكَ ولِسانَك
كي لا يَضرِبكَ الموتُ.
ولم
ولم يكن حيٌّ بَعد،
فعملتُ بيتًا من وغفِ جسدِكِ،
فانعملَ لي ما أسكنُ فيه ولا أسكنُ إلَّا بِه.
وعملتُ نسيجًا من غرينِك الذي
يتساقطُ بين يديَّ،
ومن بذوركِ التي تشبُّ أَغصانًا على جسدي،
ومن ترفكِ الذي يتموَّجُ كلَّما أبصرتُه،
فانعملَ لي حتى قُدتُكِ، دونَ عروةٍ،
ودخلتُ بكِ نور الزمان.
أضربُ العشبَ
أضربُ العشبَ كي يَضربَني،
أضربُ الغلالةَ العامرةَ للطبيعة؛
كي أترنَّحَ مخبولًا سَكرًا،
هو انحرافٌ أضربُ
به كلَّ يوم قِوامي،
وأضربُ مسلتي.
انحرافٌ يقول لي بأنَّ
درنَةَ الفمِ شهقةٌ في الفوضى،
وأنها ياقوتةٌ مقذوفةٌ في المُطلق!
أضربُ العشبَ كي لا يضربني.
زجاجُ الوردةِ
زجاجُ الوردةِ يتطاير من يدَيكِ،
وصدرُكِ هذا الذي يجذبُ الملائكةَ
رفيفُ أجنحةِ الشمسِ في دمكِ،
وعيونُك طيورٌ تضيء.
أما جُثَّة أَقدامكِ فلبنٌ يتفطرُ،
وأنا أعاينُ خريطتي فيكِ،
أعاينُ حقولَ السنبلِ
ترفعكِ إلى الأَعالي
فتتلوَّى لكِ الآفاقُ،
وينطمرُ بلوطٌ يقفُ عليها
ويفوتُ قمرٌ وقمران
وأَنا أعاينكِ
ويداكِ تخيطان الفأل الحسنَ لي.
الشتاءُ
الشتاءُ ثانيةً
شتاءُ الوحولِ، شتاءُ الطيورِ
شتاءُ الباراتِ، شتاءُ الكئوسِ
شتاءُ الدخانِ، شتاءُ الكتبِ
شتاءُ الأصدقاءِ، شتاءُ المقاهي
شتاءُ الليالي، شتاءُ الطعام
شتاءُ السرير
يا لقلبي
كم دَمُهُ حارٌّ،
بينما الشتاءُ يتربصُ بالكونِ كلِّهِ!
بيانو
بيانو يرشقُ النارَ
ذلك الوردُ الذي تُخلِّفه الموسيقى في مفاصلِنا،
الوردُ الذي يفورُ في إناءٍ فخم،
وردُ التوغلِ في العُبابِ وشمِّ القمر،
وردُ التغاضي عن عنفوانِ الطبيعةِ!
وخلافًا لذلك …
فأنا في نوعٍ من الغفلةِ،
وفي غيومٍ تتوعَّد،
خلافًا لذلك …
تتفوَّق ذكرى ذلك الغبار؛
الغبار الذي يغطي العالمَ،
ذكرى ذلك القلب الذي لم يكن
يعرفُ البيانو
وهو يرشُق غاباته كلَّ صباح.
صورٌ فوتوغرافية
صورٌ فوتوغرافية ضخمةٌ مُعلَّقةٌ على الآفاق،
صورٌ يتحرَّك شخوصُها،
بلونَيهم الأَسود والأَبيض،
في مداخلِ العماراتِ … في المتاجرِ … في الشوارعِ.
يتنافسون بحدَّةٍ … يسوقون سياراتٍ تلمع.
يأكلونَ … يسكرونَ … يتضاربونَ … يتراكضونَ …
ولا يأبهونَ بنا …
يتصرفونَ وكأننا غير موجودين.
شخوصٌ بالأَسود والأَبيض،
يقفلونَ علينا منافذَ حياتنا،
شخوصٌ لا ينامونَ في ألبوماتنا،
بل يصيحونَ في الساحاتِ العامةِ،
وبالأَسود والأَبيض.
ما هذا النبيذ؟
ما هذا النبيذُ الذي يشعُّ في أسطورتهِ؟
ما هذه الخيولُ المُسرَجةُ تتدافعُ بين رجلَيه؟
ما هذه الطرقُ المطرزةُ بعصاه؟
دعونا نتتبع خطاه.
كلُّ هذه الطيور لتدلنا على مكانه.
كلُّ هذه الأَسماك لتقودنا إليه.
يا إلهي …
إنه هناك.
يستريحُ معَ أضرحةِ الزمان،
يستريحُ في الجنون.
لا تتباكَ
لا تَتباكَ بشكلٍ جبانٍ على الماضي.
أمسِك مهمازَكَ وشُقَّ طريقَكَ،
ودعْ عنكَ هذه الخِرَق البالية.
ارمِ المُسوحَ،
وتخلَّص من أمتعتِكَ القديمة.
ارفَع رأسَك عاليًا وسِر.
تنتظركُ الآن مدينةٌ جديدةٌ،
وكأسٌ جديدةٌ، وامرأة جديدةٌ،
وقصيدةٌ جديدةُ،
فتقدَّم … ولا تلتفِت.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية