المطر/بقلم:علي صالح باعوضة

المطر يحكُّ سطح ذاكرتي برائحة الطين التي تفوح بها الأرض في محاولة أنيقة لشُكر السماء. الذاكرة تفكّ أزرار المحبة على مرأى حقلٍ شاخ لفرط اشتهاءه حنانَ مطرٍ قديم.. وما بين السُحب والذاكرة والحقل تظهرين أنتِ كموعدٍ مبللٍ بالمطر والحنين، ومطرزٍ بالسنابل..

ماذا أسمّيكِ لتدوّي بأقاصي الذاكرة كركرات أطفال نحتوا براءة نبضهم على ملامح السماء قبل هطول المطر بوقت قصيرٍ يكفي لممارسة قُبلة خاطفة لم تكن إلا طعنةً سمّاها غيابكِ المرير قَدَراً، وسمّتها الليالي انتظاراً طويلاً…

ماذا أسمّيكِ..؟ أيتها العالية على أصابع اللغة التي تحاول لمسكِ فتذوب نتيجةً للأمل المفرط كالشموع التي تعجّل بطيّ حياتها القصيرة رياحٌ عابرة كانت بنَظر الرُّعاة الذين يصنعون النايات من أضلاعهم فُرصةً لميلاد أغنية جديدة.

المطر يحكُّ سطح ذاكرتي بفمٍ تعوَّد دهراً أن يقول للخسارات: نعم.. حتى صارَ القلب نبعاً لخسارات تجول العالم حاملةً على أكتافها الهزيلة احتراق مواعيد قديمة تفوحُ بقصائد لم تحلم بأكثر من التفاتة صادقة تمكّنها من رثاء اللقاء المستحيل بعد أن تستعير منكِ المحاجر ومني الدموع.

المطر يبللُّ نافذةً نجتْ من الحنين، وظلَّت تُضيء بخجل في ركنٍ منسيٍّ من ذاكرتي مثل نجمةٍ حاولتْ أن تكون قمراً فقستْ عليها ليالي العشاق المتطرفين في حب القمر، والمؤمنين أبداً بأنه دليلهم الوحيد نحو مواعيد الخَلاص المؤجلة حتى ولو أسقطته مخيّلاتهم تارةً فوق رمال أحلامهم الخائبة وتحوّل إلى ظِلٍّ كفٍّ صغيرة جداً لا تكفي لمسح دمعة!

المطر يمسكُ بيد القصيدة/ بيدي/ بيدكِ بعد أن يتراجع خطوتين ليكون سحابةً تحلم بعناق حقلنا العالي عن رغبة سخاءها المؤجل عُمراً لأسباب يجهلها المطر والسنابل، وتجهلها أعماقنا المفرغة الآن منّ كل شيء عدا حلمٍ عاطشٍ في عين سراب قديم كلَّفنا أعماراً لا تُحصى من التوقّعات الخائبة…

تمشي السحابة كامرأة خجولة ويعوي فيها المطر مثل ذئاب جريحة.. تمدُّ لنا يدها المرتجفة بعد أن نسقُط.. فلا تصل.. نمدُّ لها أيادينا فتسيلُ على تعثّرنا: دُموعاً تلمع انتظارات، ومطراً ينزُّ قمحاً مُطفأ ً في مخيِّلات طابور طويل من الجياع، وأصداء بلادٍ مريضة تُنبتْ حولنا مشانق تطيرُ برؤوس أحلامنا إلى السماء البعيدة…
لنسقطَ بعد وقت قصير موتى وحول رقابنا آثار مطرٍ حكَّ مسامع ذواكرنا طويلا، ولأننا تهجأنا الصمت منذُ حقب بعيدة حتى صِرناه.. لم نستطع أن نقول له: مرحبا.. فصار قاتلاً لفرط شعوره بالغربة.

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!