كنتُ أقود الشاحنة ليلاً، وكانت المسافة طويلة، أما رفيقي فقد نام.
كان الطريق فارغًا ، والمكان يلفه ضباب كثيف ، وبرد الليل قوّي ، ففكرتُ في أن أتوقف في هذا المكان …
توقفتُ في موضع لا يبعد كثيرا عن أحد القرى الصغيرة ، ولم أكن أعلم أنه مكان مخصص لتوزيع قارورات الغاز!..
وما إن انطلقت الخيوط الأولى لنور الشمس الباهت ، حتى شرع القرويون يتوافدون، يحملون قارورات الغاز فوق ظهور الحمير …
وربطوا الحمير والجحوش بمؤخرة شاحنتي !…
بعد أن استيقظتُ صباحاً ، أدرت مفتاح المحرك فانطلق يزأر، يصاحبه نهيق مفزع للحمير ، استغربت ذلك، وأخرجت رأسي من زجاج الشاحنة لأنظر فألفيتُ الحمير تتحلقُ حول شاحنتي! …
تشوشتُ ، شعرتُ بالقشعريرة ، لم ادر ما ذا افعل ؟…
اكتفيتُ بالصمت، لم أقل شيئا ولم أكلم أحدا… أما رفيقي فلم ينتبه وإنما استمر يغط في النوم …
انتظرتُ …وانتظرتُ صامتا، انظرُ إلى الأفق البعيد ، حتى انفض القرويون وحميرهم . تأسفت كثيرا لحالتهم ، من الصباح الباكر و هم ينتظرون ،ثم شاحنة توزيع الغاز لم تأتي! … ماذا يفعلون في هذا البرد؟..
أما أنا فقد اضطررتُ للتأخر بحوالي الثلاث ساعات لأصل إلى وجهتي..
وفي مقهى المدينة حملق في سائقو الشاحنات مرعوبين، وحمدوا الله أني نجوتُ ، فذلك المكان ليس مخصصا لبيع الغاز أو غيره ، وإنما مرتع للأشباح والأرواح المؤذية …
وأي سائق شاحنة من ناقلي البضائع لا يتوقف أبدا في ذلك المكان…
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية