لا شيء يهزمني/بقلم: حيدر غراس (العراق)

أقول:
لا شيء يهزمني. وحده صوتك يغرس نصاله في جسد ذاكرتي، فأغدو ذلك المطعون الذي يتسرب من جراحه ندىً إلى أرض عطشى أكل اليباس قلبها منذ أزمان.
في تسجيلك الأخير،
كان ارتعاش صوتك ينبئ بأن ثمة نهرًا يغتسل من عطشه، ويرمم خياشيم أسماك هجرت ملوحتها،
كأن الحياة قررت أن تعود من نافذة صغيرة اسمها: صوتك.
أقول…
وليت القول يجدي هنا.
ترى،
من أطعم هذه البحة شيئًا من رطب البرحي؟
من سقاها فرات الخرير؟
ومن أنبأها أن للبحة أذرع أخطبوط تعتصر اللهفة بنغمة واحدة؟
غريب أمرنا نحن الرجال، أو هكذا أظن.
نكسر الجرار بحصاة الكبرياء،
ونخنق العبرة بكوفية الرياء،
ونمضي متظاهرين بأن القلوب لا تنزف.
إلا أن هذه المرة، كان صوتك، عبر ذلك التسجيل اللعين، يقول ما عجزت عن تدوينه دواوين الشعر، ويبوح بما لم يجرؤ على الاعتراف به كل الشعراء.
كان صوتك قصيدة لا تُقرأ، بل تُصاب بها الروح.
بعد كل رنة من صوتك،
كنت أسأل نفسي:
هل ثمة بين الصوت والرائحة قرابة لا ندركها؟
هكذا كان صوتك يعبرني كعطر سماوي، تتصاعد منه نسمات الصباح الأول في بستان جدي، فتوقظ في الذاكرة أشجارًا ظننتها ماتت واقفة.
كأن رائحة الطلع الخريفي تعود إليّ، مع أنها ليست أيام لقاح، وكأن للفصول مواعيد أخرى لا تعترف بها الأشهر، بل يكتبها صوتك كلما مر بي.
أدركت يومها أن بعض الأصوات لا تُسمع فقط، بل تُشم أيضًا، وأن الحنين قد يتخفى في هيئة عطر، ثم ينادينا باسم واحد… صوتك.
دعيني اليوم أفضح لك شيئًا من سري.
كلما جاءت كلمة “غراس” في مقدمة حديثك، ومن عمق تلك الحبال المعلقة في حنجرتك، حيث يتدلى ما غاب منذ عصور بعيدة، أرى الغين تنام منبطحة في حضن الراء، تاركتين الألف والسين ترقصان الهجع على إيقاع طبول غجرية.
وأرى قبائل بربرية تعود توًا من غزوة لا أعرف خرائطها، ترفع أعلامًا لا تدرك الألوان أسماءها، ثم ترمي قمصان صوتك على عراة أكل الشعر مشاش قلوبهم، فيسترهم النشيد أكثر مما يسترهم القماش.
ولا أدري كيف يحدث ذلك…
لكن اسمًا واحدًا، حين يخرج من فمك، يتحول إلى قارة كاملة، تتنازعها الحروف، وتتقاسمها الأساطير، وأقف أنا على تخومها، لاجئًا إلى صدى صوتك.
قد لا أفقه شيئًا من علم الأصوات، ولم أدرس مقدمات القرار، لأرسب في سطوح الجواب، وإن جاهدت في أداء جواب الجواب.
ولم أتسلق يومًا سلمًا يقودني إلى:
الدو…
ري…
مي.
لا أنكر،
ثمة قطيعة بيني وبين الترلات،
إلا أن تلك البحة قادتني إلى سماوات تصبغ الزرقة بصوتك.
ثم أعادتني، على جناح رخ أسطوري، إلى أرض تقود دروبها إلى المجهول.
عود على بدء…
ماذا
أقول…؟

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
casibomcasibom girişcasibom resmi girişdeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusucasino sitelerideneme bonusu veren sitelerdeneme bonusu veren sitelercasino siteleribahis siteleribonus veren sitelermarsbahismarsbahis girişmarsbahis güncel girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişcasibomcasibom girişmarsbahismarsbahis girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişegebetegebet girişegebetegebet girişegebetegebet girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahiscasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişbetparkbetpark girişbetparkbetpark girişbetparkbetpark girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis giriş