*سليم النجار*
الحيز المكاني في الرواية، أو الحكي بصفة عامة، عادةً ما يُطلق عليه الحيز الجغرافي. فالروائي أسامة رقيعة يقدم في روايته «شبح شفاف» عددًا من الإشارات الجغرافية، التي تشكل نقطة انطلاق في النص الروائي من أجل تحريك خيال القارئ. فالفضاء هنا هو معادل لمفهوم المكان في الرواية، ولا يُقصد به، بالطبع، المكان الذي تشغله الأحرف الطباعية التي كُتبت بها الرواية، بل ذلك المكان الذي تصوره قصتها المتخيلة: «حين غرز سكينته في ظهري، التفتُّ ناحيته في ذهول» (ص 7).
هناك من يعتقد أن الفضاء الجغرافي في الرواية يمكن أن يُقرأ في استقلال كامل عن المضمون: «كلما زُرنا مكان خيمتنا الصغيرة أدركنا التحولات التي تجري فيها وعليها ومن حولها بلا دهشة» (ص 15).
إن النظر إلى النص الحكائي وفق تصور يجعل من أسئلة الخيمة مدخلًا إلى ما هو أساسي في حياة البشر التي تغيرت، وخاصة أن الأدوار التي تقوم بها الشخصيات داخل رواية «شبح شفاف» تشي بنشأة معنى جديد لتطور الحياة، على اعتبار أن هذه الأدوار لها مظهر سلوكي خارجي، بعيدًا عن الحكاية الأساسية للرواية، يُبقي سؤالًا حاضرًا: هل المظهر الحكائي في الرواية أكثر حضورًا من المضمون؟ «كلُّ شيء في برزخنا كان يسير خارج إطار الزمن» (ص 24).
إن التصورات الموجودة عن الفضاء الحكائي داخل الرواية تضعنا أمام سؤال: ما المقصود بالفضاء الروائي؟ قد نجد إجابة معقولة داخل النص، فالفضاء الذي وظفه الروائي أسامة هو فضاء مفتوح، غير محدود: «عندي لكم حكاية أخرى عن البحر» (ص 40).
واستطاع الروائي توظيف التعارض بين فضاءين، فضاء البحر وفضاء المكان، دون إخلال بانسياب النص وقراءته، بلا تعثر، وكأننا أمام فضاء مكاني ينقلنا من زمن سابق إلى زمن حاضر: «كانت الأفكار قد هربت من أحمد وتبخرت من ذاكرته قبل أن تصل إلى حسن بوعيون» (ص 61).
نستطيع القول إن الذكريات هي المتن في النص، وهي التي تؤدي إلى قيمة التأطير الذي نجده في الرواية، في مربع صغير داخل تفكير الشخصية الروائية. والتوظيف هنا للشخصية ليس المقصود به تحريك الحكاية بقدر ما يُراد منه توظيف الذكريات على أنها المتن للحكاية: «الصداقات ليست فقط ذكريات، بل هي شعور دائم ينمو ويزهر» (ص 66).
إن الروائي هنا يُحيل مفهوم الفضاء إلى ما يشبه خطة مرسومة للراوي، أو الكاتب، في إدارة النص، وإقامة الحدث الروائي بواسطة مفهوم خاص بالروائي. وفي هذه الحالة، يمكننا القول إن الراوي يلتقي بزاوية رؤية الكاتب: «الرواية تتحدث عن الجن بأسلوب أدبي» (ص 82).
وهناك مسألة محددة ينبغي إضافتها، وهي أن الحديث عن مكان محدد في الرواية يفترض دائمًا توافقًا زمنيًا مع سيرورة الحدث، لهذا يلتقي وصف الفضاء مع الانقطاع الزمني، الذي تتجلى صورته الدرامية بالتخلي عن هذا الفضاء: «لم تخبرني لماذا اعتزل فارس العمل في البحر؟» (ص 99).
تأتي الحركة السردية في الرواية لتؤكد حضورًا للزمان الذي يشكل الخلفية للحكاية داخل النص، غير أن هذه الحكاية لا تنتهي بزمن أو حكاية أو حتى في فضاء مرسوم، بل الأصح القول إن هذا الفضاء الذي وظفه الروائي هو امتداد للحكاية: «وحين تشتد الأسئلة على أهل الفريج، يذهبون علنًا وفي خفاء إلى شاهد القبر» (ص 110).
رواية «شبح شفاف» للكاتب أسامة رقيعة، الصادرة عن دار فضاءات للنشر والتوزيع، عمّان، 2025، هي سيرورة لحكاية ممتدة، تسعى إلى طرح الأسئلة التي تنمو داخل الخيمة، ودائمًا ما يكون البحر هو الفضاء الذي يكشف عن الشبح الذي يبحث عنه المتلقي.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية