كيف أرسم البحر / بقلم الأديب خالد محمود الصقور

كعادتي… أحمل أمتعتي ، وأنطلق مع الشمس ، أصل ذلك الشاطئ ، أخطو على رماله الملساء ، ولكن هذه المرة ليست ككل مرة ، حيرة ٌ جديدة تطرق باب عقلي ، نشوةٌ رائعة يشاطرها خوف عنيف … فضولٌ مجنون يشدني إلى تلك الصخرة …أجلس عليها ، تحدق عيناي في البحر ؛ فتمطر في رأسي آلاف الأسئلة ؛ لتنتهي على شفتي علامة سؤال : ما أنت أيها البحر؟ .
عدت في المساء وقد نحت البحر صوره في ذاكرتي المتعبة … ولجت إلى الكوخ ، أعددتُ فنجاناً من القهوة ، وألقيت بنفسي على الكرسي الخشبي ، أشعلت سيجارتي ، تصاعد الدخان ، بدت النوافذ عمياء ، وبدأت عيناي تعرض ما خطته الذاكرة على تلك النوافذ حتى أصبح عالمي كفنجان غجرية ترصد ألغاز طريق يملؤه الضباب .

نهضت من مكاني ، نفضت الغبار عن المصباح وأشعلته ، كان نوره خافتاً ، علقته بجوار اللوحة ، وبدأت أخط بريشتي القديمة سدول أجنحة النورس عند عناقه للبحر … تذكرت نفوره منه ؛ ارتعشت يداي ، تأرجح المصباح ؛ فازدادت خطوطي إبهاما ، وعندما حاولت رسم الأمواج باللون الأزرق سقط اللون الأسود من مقلة الليل .. انطفأ المصباح ، وسقطت الريشة من يدي .

عدت إلى مكاني ، جلست على الكرسي ، كانت نظراتي تائهة ، شعرت باسترخاء غريب ، أطبقت أجفاني فرحتُ في رحلة غامضة …. كسرت ريشتي … مزقت اللوحة … امسكت بالمجداف… وسحبت القارب حتى دخلت البحر … ارتفعت الأمواج الغاضبة … نادت الطيور بعضها معلنة الرحيل … اختبأت الأسماك … تجلى ماردٌ وحشي الملامح .. صرختُ بأعلى صوتي ؛ أطبق على عنقي … فجأة تألقت نجمةٌ في السماء …تلاشى المارد… لامست أشعتها عيني … شعرت بالدفء ، وغرقت في نوم عميق.

ولم اصحُ الا عندما رمت الشمس طرحتها على البحر لتريني عالمها : ألحان نسيم رقيقة ، أسماكاً راقصة ، طيوراً متعانقة ، عندها غزت تلك النجمة ذاكرتي ؛ فتوجهت بأسئلتي للسماء … اهتز القارب … اجتاحني الرعب … صوت موسيقى أخذ يتسلل إلى أذني … انسل مني الرعب تدريجيا ً … استدرت بحذر … كان طائراً أبيض جميلاً على حافة القارب … تحركت نحوه بهدوء ، نظرت إليه ، أمسكته بين يديَّ ، كأن النجمة تحوم في عينيه … همست بأذنه ، ثم أطلقته ، وما زالت عيناي تلحق به حتى ابتلعه الأفق …

دخل الليل … توسلت للمارد ، وأخذت أهدئ من روع قاربي الذي أخذ يصارع الموج بجنون … شعرت أن الموت يدنو …. استلقيت على ظهري منتظراً عطف الإله … صوتٌ هزيلٌ متعبٌ هناك ، لكنه ليس غريباً عن أذني “… آه … الطائر … إنه الطائر… لقد أتى ” نهضت، نظرت إليه ، أصابني الفزع ؛ كان ريشه ممزقاً ، والدماء تملأ جسده ، والدموع تنهمر من عينيه ، لم أتمالك نفسي ، انهمرت من عيني الدموع ، لا أدري ماذا أصابه … نظر للسماء … أخذ يلهج بحروف لا تكاد تبين عما يريد ” ا ل … نج … مة … را…” صمت بعدها ، حركته بقوة عله يفيق ، لم يصحُ الطائر … صرختُ بأعلى صوتي : ” نجمتي ” وردد الأفق صرختي ” نجمتي “… ” نجمتي “… في تلك اللحظة أحسست بصفعة عنيفة … نظرت حولي وإذا بي ملقىً على الأرض ، وعلى صدري الكرسي الخشبي ، وعلى جانبي فنجانٌ مكسور قد تسربت منه القهوة لتشكل لوحة ” سريالية ” مسحتها بإصبعي ، وانطلقت نحو البحر .

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
casibomcasibom girişcasibom resmi girişdeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusucasino sitelerideneme bonusu veren sitelerdeneme bonusu veren sitelercasino siteleribahis siteleribonus veren sitelercasibomcasibom girişcasibom güncel girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom giriş