مرايا الوجع وتجليات الأنوثة: قراءة في مجموعة “أشياؤها” للكاتبة حنان باشا

بقلم: تبارك الياسين روائية من الاردن

تأتي المجموعة القصصية “أشياؤها” للكاتبة المتألقة حنان باشا لتشكل إضافة حقيقية وعميقة لسيناريو القصة القصيرة العربية المعاصرة. عبر نصوص مكثفة تقترب في رشاقتها من “الطلقات الأدبية”، تأخذنا الكاتبة في رحلة سيكولوجية بصرية ومثيرة إلى العوالم السرية للمرأة، متأرجحة بين ترانيم الشجن وثورات الخلاص الصامت
يُعد العنوان العتبة النصية الأولى والمفتاح السحري لفك شفرات المجموعة. تشير لفظة “أشياء” في ظاهرها اللغوي إلى الماديات الجامدة والمهملة، لكنها عند حنان باشا تتحول عبر آلية “الأنسنة والترميز” إلى امتداد نفسي وجسدي لشخصياتها.
“الأشياء” هنا شواهد حية على مصائر أصحابها؛ فالحقيبة الجلدية في قصة (نهايات معقدة) ليست وعاءً للأمتعة هو مجرد مستودعا للعمر المفقود والعهود المنقوضة، وجرة الغاز في قصة (انتقام لذيذ) ترتفع لتصبح الحد الفاصل بين جحيم الواقع والولادة من جديد، بينما يتحول الرمان في (عندما يبكي الجلنار) من مجرد ثمرة طبيعية إلى أيقونة للوجود والأنوثة الطاغية المهددة بالزوال.
تتحرك نصوص المجموعة في فلك موضوعي متناغم وهو (القهر، وتفكيك الأقنعة، والقدر المصيري)
تبرع الكاتبة في هتك ستر النفاق الاجتماعي المتخفي وراء المثالية. يظهر ذلك بوضوح في قصة (شيء من كذب)، حيث تسقط الروايات البرّاقة لجارة مهووسة بالنظافة داخل حاوية القمامة، وفي قصة (أثر اللهاث) حيث يتحول “القميص الرمادي” الناصع إلى خريطة تفضح نزوات صاحبه وغوايته المزيفة على حساب الاخر . لا تكتفي نصوص المجموعة برصد الوجع السلبي، لكنها تقدم قراءة نفسية متمردة. ففي (انتقام لذيذ)، ينقلب السحر على الساحر، ويتحول التعنيف المتراكم إلى فعل ثوري حاسم خلف باب حديدي مغلق. بينما في قصة (على طرف المقصلة)، يرتفع صوت النص كمنصة محاكمة لتعرية نفاق المجتمع الذي يشنق الضحية بملامحها المشوهة ويترك “الذئب” حراً طليقاً.
في قصة (عندما يبكي الجلنار)؛ إذ تحول فحص طبي روتيني إلى دراما وجودية تحبس الأنفاس، يناقش هلع الأنثى من نقصان جسدها وفقدان جاذبيتها، قبل أن ينقذها النص بلمسة إنسانية دافئة تعيد للرمان كبرياءه.
تمتاز الخاتمة عند الكاتبة بأنها لا تسير في خط أفقي متوقع لكنها تنعطف برعشة مفاجئة تحول مجرى الحكاية. وتتجلى هذه التقنية بكثافة تهكمية سوداء حيث يغدو “الفقر المدقع” (فراغ جرة الغاز) هو ذاته سبب النجاة وطوق الحياة، وفي قصة (أمنيات معلقة) حيث تتبدد بهجة اللقاء بغفلة البحث عن قداحة ساقطة.
تعتمد النصوص على لقطات قريبة ودقيقة تشحن الحدث حساً وحركة (ارتجاف يد الطبيبة، بقع أحمر الشفاه على الياقة، حركة طي الملابس، فرك الطفلة لعينيها). هذا الأسلوب ينقل القارئ من مقعد المتلقي إلى عين الشاهد والمشارك في التجربة. نجحت الكاتبة في تداخل الأزمنة (الماضي والحاضر) ليعكس الاضطراب النفسي الصادق للشخصيات، كما في استدعاء فساتين الدانتيل والساتان الشيفون الدافئة وسط صقيع غرفة الفحص الطبي الباردة.
على الرغم من البناء الدرامي المتماسك، إلا أن بعض النصوص تميل أحياناً إلى النبرة الخطابية أو الوعظ المباشر(كما في قصة على طرف المقصلة عند وصف “الرجل الذئب”). إن ترك الأحداث والشخصيات لتعبر عن هذه الأفكار الكبيرة من خلال الفعل الدرامي الخالص دون تدخل السارد بالشرح والتعليق، من شأنه أن يمنح النص فضاءً تأويلياً أرحب، تماشياً مع القاعدة الأدبية الذهبية: “أرِني.. ولا تخبرني” .
إن مجموعة “أشياؤها” للكاتبة حنان باشا هي وثيقة أدبية مصاغة بنبض حي وشفاف. لقد استطاعت الكاتبة بتفوق ملحوظ أن تطوع تفاصيل الحياة اليومية العادية، وتحول الهوامش المنسية إلى مسرح حقيقي تتصارع فيه قيم الحياة والموت، الانكسار والانتصار. إنه قلم يمتلك مشرط جراح في تشريح الألم، ورهافة شاعر في صياغة الأمل والحرية.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!