انكسار/ بقلم : الاديبة الاردنية فداء الحديدي

 

قادني القدر إلى ذاك الطريق الخالي , رايته كما هو منذ سنوات يجلس وحيدا , خلال كل تلك السنوات التي مضت , لم أفكر يوما او حتى أحاول الاقتراب منه و مجاذبته أطراف الحديث , حاولت جهدي ان اترك له خصوصية وان لا أقحم نفسي في فسحة المكان الذي اختاره لنفسه .
اليوم كان قراري المفاجئ , ان اكون بقربه , أن استمع اليه , ارتوي من سنين العمر التي ارتسمت على جبينه , و خط الزمن الذي رسم على يديه أوردة زرقاء قاحلة , ظهرت امام عيوني و انا أصافحه.
كان يجلس على ذات المعقد الخشبي القديم , متكئا على جدار في الحي القديم , جلست بقربه , حاولت أن أستمع إليه … كان يقلب قصاصات من الصحف القديمة بين يديه , مبتسما , الوجوه تكررت في صفحات الصحف القديمة , منذ تاريخ جلوسه على هذا المقعد الخشبي .
مّد يده باتجاهي لأقرأ بعضا منها , لم أحاول أن أستفسر أكثر , دهشتي كانت أكبر و انا أرى دمعة تسقط تلو الأخرى على كفيه و هو يحضن وجهه يحاول أن يخفيها عني , أشار بإصبعه على الطرف المقابل ,حيث القصر المشيّد في أعلى الجبل .
حتى هذه اللحظة , لم أكن على يقين ماذا تعني كلمة على الطرف المقابل , كلمات نرددها , نعني بها ما نعني , لكن ان تكون على الطرف المقابل للحياة شيء مختلف , شيء جديد , ربما كانت أسهل لو انني عرفت ان الطرف المقابل هو الموت .. ربما سيكون استيعابي لها اكثر, من ان الطرف المقابل هو الحياة , لعمر قضى و مرّ و انتهى منذ سنوات و هو ينتظر على نفس المقعد .
الغروب يأتي ببطء , مثل حال هذا الرجل , ينتظر منذ سنوات خلت ومضت , أخفت الشمس خدودها في كنف السماء , هّم بالوقوف , بيده عكّازا أبيض اللون , حاول ان يستند عليه , كانت المرة الاولى في تاريخ حياتي , ارى بها عكازا أبيض , سمعت كثيرا عنه من قبل , لكنها لم اتوقع أن اراه بهذا القرب من قبل .
كان يقبضه بقوة شديدة , يثّبت قاعدته على الأرض بشدّة , يحاول النهوض من انتظار سنوات .
ازيز قوي , اثار سمعي , جعلني انحني صوب الارض , إلى منتصف عكازه الابيض, أنظر بحذر , بحزن , بثورة ايقظت روحي من سبات الحب و الابوة الشاردة في سنين العمر و طي النسيان , ايقنت ان الطريق التي نسير بها قد تخذلنا في منتصف العمر , او حتى في نهايته.
نظرت إلى منتصف العكاز الابيض , كان يتمزق , حواف حادة تظهر , أصبح عكازا هشة لا تسند صاحبها , لا تعينه في مسيره , نهضت من جديد , انظر إلى عينيه التي كاد بريق دمعته ان يخطفني من عمري حتى أنا .
الشارع الخالي , امتلئ بالعابرين , إنحنى من فوره ليأخذ معطفه المهجور على المقعد , إرتدى معطف الفراء الفاخر فوق لباسه الرث , مددت يدي إليه , حتى أعينه , قبل أن يعطيني يده , وقبل أن يحكم إغلاق معطفه حول جسده النحيل , أخرج من جيبه شاشة بيضاء كبيرة , وضعها في منتصف صدره …استرقت النظر بحذر , اثار دماء لم تجف ..

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
casibomcasibom girişcasibom resmi girişdeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusucasino sitelerideneme bonusu veren sitelerdeneme bonusu veren sitelercasino siteleribahis siteleribonus veren sitelercasibomcasibom girişcasibom güncel girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom giriş