اتخذ من صخرة فوق ربوة قليلة الارتفاع على الشاطئ، مجلسه منذ عودته المعلومة من الشمال، يراقب الفضاءات من حوله ويمد بصره إلى أبعد حد قد تصله عيناه وهو يرنو إلى سطح البحر وزرقته الفائقة التي تبلغ ذروتها أثناء الزوال.
البحر، هذا الكائن الغامض الذي فضل والده الاستقرار بجواره لما جاء مهاجرا إلى المدينة، وبعدما جرب السكن في أحياء بعيدة عنه نسبيا. لقد خطف البحر لبه وأرغمه على مجاورته.
فتح ابنه البكر عينيه على زرقة البحر وامتداده، واللهو مع اقرانه في صخوره وشاطئه الصغير الذي كان ملجأ لهم خلال فصل الصيف، يطفؤون فيه لهيب الحر الذي يسكن أجسامهم الصغيرة..
نشأ الابن في هذه البيئة المنفتحة على البحر، فنما لديه، وبعض أقرانه، حب المغامرة والبحث عن بلوغ الضفة الأخرى للبحر الممتد. كثيرا ما كانوا يعيدون في جلسات سمرهم أمثلة عن الشباب الذين تمكنوا من بلوغ الضفة الحلم، وعادوا على متن سيارة مليئة بالهدايا والأشياء التي تحمل توقيع الضفة الأخرى.
لم يتمكن من اجتياز عقبة البكالوريا في دورتيها، فترسخت في عقله ونفسه فكرة إعمال البديل الذي طالما حلم به. شجعه والده بكل الوسائل على تكرار التجربة مرة أخرى عله يظفر بالشهادة المأمولة، فتنفتح أمامه أبواب المستقبل، وهو يستعرض عليه أمثلة ممن مروا بنفس مساره، هم الآن موظفون يعيشون بكرامة في بلدهم. لكن الابن لم يكن أبدا من هواة الاستماع إلى الأمثلة والقصص المملة. كان له رأي آخر. ركوب سفينة المغامرة والانتقال إلى عالم الأحلام ليحقق ما حلم به هو ورفاقه…
سافر بمعية أحدهم ممن اقتنع بضرورة تغيير الوضع، وضعهما المادي والنفسي والاجتماعي. فامتطيا القطار نحو الشمال في غفلة من أسرتيهما.
لم يسبق لهما أن ناما خارج حضن الأسرة إلا مرة واحدة وافقت رحلة دراسية نحو المدينة الجبلية إبان موسم الثلوج. فكانت هذه المرة الثانية التي سيتغيبا عن مضجعهما المعتاد. قضيا ما تبقى من ليلهما في بهو المحطة. تكوما على مقاعد ضيقة لا تفي بالغرض أملا في منح جسديهما قسطا من الراحة والنوم الذي حرما منه طيلة الرحلة الليلية المتعبة. استيقظا مذعنين، مع بداية ساعات الصباح الأولى، جراء توافد المسافرين على المحطة أملا في اللحاق بأولى القطارات التي تنطلق نحو عدد من مدن البلاد.
كانت جلبة المسافرين أكثر وقعا عليهما من ضيق المقعد وصعوبة النوم. تحركا خارج المحطة يتدحرجان من شدة العياء والأفق المجهول. وجدا في رفيق لهما، سبقهما إلى المغامرة الحلم، ما كانا يرغبان فيه. غرفة تأوي الجميع يقتسمون فيها كل شيء، والقرب من مكان العمليات التي ستنقلهم إلى ضفة الأحلام.
أطلعهما رفيقهما على عدد من التقنيات التي عليهم جميعا استيعابها والعمل بها للنجاح في المهمة التي أتوا من أجلها. من أهمها التنقل على انفراد والتأكد من خلو المكان المزمع التربص فيه من كل كائن كيف ما كان نوعه وحجمه. ثم التكتم على ما هم مقبلون عليه إلى حين انتهاز أول فرصة تسنح لهم مع توخي الحذر.
تجولا في باحة الاستراحة التي تتوقف فيها المركبات والشاحنات المتوجهة إلى الميناء كآخر محطة وقوف قبل الرحيل، علهم يعثرون على أدنى مؤشر يعتمدونه في مهمتهم الدقيقة.
طال بهم المقام دون حدوث أية محاولة. فزيارة رجال الدرك والمخبرين للباحة بشكل مفاجيء، جعلهم ينسحبون إلى مخبئهم والاكتفاء بالمراقبة.
تمكن صاحبنا من تهييء مخبإ له في صخور الشاطئ ليتخذه مقرا عله يحقق أمله بعيدا عن كل شبهة.
فاجأتهم شاحنة كبيرة تتوقف بالباحة. بعدما غادرها السائق الذي يبدو من هيأته أنه أوربي، وكذا من كلماته التي تبادلها مع أحد العاملين بمقهى الباحة. طافا حولها بسرعة يبحثان عن ركن للاختباء فيه، فوجدا ضالتهما في صندوقين أسفل هيكل الشاحنة عادة ما توضع فيه أدوات وأغراض تهم الشاحنة والسائق. من حسن حظهما أنها مفتوحة. فانحشر كل واحد في صندوقه بسرعة البرق، وتكوم فيه وانقطعت حركاتهما. بعد حوالي ساعة، أدار السائق المحرك وانطلقت الشاحنة نحو الميناء الذي ليس بعيدا عن باحة الإستراحة، يراه، كل من يزور الباحة بالعين المجردة، حينما تنسحب كثل الضباب الصباحية والمسائية. لم يطل توقف الشاحنة في مدخل الميناء، حيث مرت عملية المراقبة الروتينية بسرعة. سمعا قهقهات السائق ورجال الجمارك وهم يتبادلون المجاملات بينهم. ثم سمح للشاحنة بالمرور والتوجه نحو الباخرة التي ستقلها نحو الضفة الأخرى. كانت دقات قلبيهما تتسارع وهم يبتعدان عن بوابة الميناء، وانفاسهما تكاد تنقطع إثر الدهشة التي أعقبت حالة الخوف القاتلة التي تملكتهما وهما يسمعان حديث رجال الجمارك والسائق. هما الآن في بداية الحلم!
لم تقطع الشاحنة إلا بضعة أمتار، حتى سمع صياح أحد المراقبين يأمر السائق بالتوقف. سمعا خطواتهم المسرعة للحاق بالشاحنة التي توقفت. أشار أحد المراقبين إلى حقيبة ظهر سوداء فوق الصندوق المعلوم. سحبوها بحذر واكتشفوا ما بداخلها. فتح المراقب الصندوق ليفاجأ بأحد الرفيقين مكوما فيه. أنزلوه، ثم توجهوا نحو الصندوق الثاني ليعثروا على رفيقه في نفس الوضعية. أخذوهما إلى مخفر شرطة الميناء ليستكملوا الاجراءات الموافقة لمثل هذه النازلة.
قضا الرفيقان أسبوعا في الحجز، وأطلق سراحهما بعد توقيع محضر بعدم العود.
اعتزل صاحبنا في مخبئه لا يتصل بأي كان ويراقب الوضع عله يتجاوز المحاولة الأولى التي كانت قاب قوسين من النجاح لولا رعونة رفيقه الذي نسي حقيبته فوق الصندوق.
طال به المقام وهو يعد الأيام والليالي. قل زاده ونفذت نقوده، واشتد به الخوف والوسواس من كل ما نسجه من خيال ووعود ضمنها مشروعه المستقبلي الذي يراه يتلاشى مع الأيام.
استحم في البحر ليطفيء لهيب الانتظار ويزيل أدران التوجس من المستقبل وما علق به من كدمات راكمها جراء توالي الشدة والفاقة والإجهاد النفسي والجسدي.
هم بالخروج من الماء، فرآها تشير إليه بيدها اليسرى ثم اليمنى ثم بهما معا. جال بناظره حوله فلم ير أي كائن في الجوار. استمر في طريقه نحو مخبئه، ثم نظر نحو الشرفة التي كانت الفتاة تشير إليه منها. اختفت! توقف مكانه يتطلع إلى الجهة التي ظهرت منها. لاحت له من جديد وهي تخرج عبر بوابة ذات قوس ضخم ومزينة بأحجار وأشكال تذكره بأبواب الأسوار التي تحيط بالمدن القدية. وقفت الفتاة أمامه والابتسامة على محياها، لا يخفي القميص الذي تسدل عليها تضاريس جسدها الثائر. مدت يدها إليه، حرك يده بصعوبة وهو في حالة اندهاش غريبة. لما مسكت بأنامله وهمت بمرافقته إلى حيث تسكن، لم يتحرك، أصابه دوار وتناسلت الأسئلة في رأسه ولم يجد الكلمات المعبرة عما يخالجه. اختصرت عليه الأمر وانطلقت تحكي له عن سرها، وهو يسير بجانبها يسمع كلامها الذي بدا له كأغنية متكاملة اللحن والأداء. وعدني عرافنا الجليل بأن رزقي سيأتيني من البحر في شهر أو في سنة على أقصى تقدير، عند الضحى أو الأصيل. وسيكون الشخص الذي يخرج من البحر زوجي الذي أرسلته إلي إلهة الحب والزواج. يستمع إلى قصتها وقد أزاح عنه كل ما كان يثقل كاهله. مرا عبر الباب الضخم وعرجت به جهة اليمين ليدخلا إلى قصرها الفخم. وهي تحكي له عن بعض مشاريعها، توقفت أمام حمام أنيق به حوض مليء بالماء الدافئ يصعد بخار تفوح منه رائحة الطيب والعطر. أمرته بأن يبدأ مقامه عندها بالاستحمام وتغيير ملابسه، وهي تشير إلى جلابيب حريرية وضعت على مشجب أمام مرآة واسعة. استرخى كليا في حوض الحمام يتأمل حاله وما وصل إليه، وأوراق الورد تتراقص أمامه في الماء الدافئ. تاه في تأملاته وغاص في أحلامه المتداخلة من جديد. أحس بيد تربث على كتفه، شق عينيه بمشقة الأنفس وسمع نداء “نوض الشريف نوض” استدار يمنة وهو يحاول القبض على ماتبقى من أحلامه. لكن اليد لم تفارق كتفه. أجلسوه حتى يستيقظ ويسهل الحديث معه. نقله رجال الاغاثة إلى المركز الصحي لتقديم الإسعافات الضرورية واللازمة لحالته. لقد كادت الحمى تقتله لولا أن أحد الصيادين الذي دأب على الصيد قرب المخبإ المعلوم، أبلغ عن وجوده وحالته، لكان قد هلك.
حضر والده إلى المركز الصحي، فتسلمه بعد توقيع محضر في النازلة..
كلما جلس فوق صخرته على الربوة المطلة على الشاطئ تذكر رحلته وحلمه وانتكاسة آماله ورجوعه خاوي الوفاض.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية