​صوتٌ لا يُباع/بقلم:أحمد محمود السلامي

​بحثتُ عن قلمي بين دفاتر العمر وأوراق الأيام، كأنني أبحث عن صديقٍ غاب في أكثر اللحظات حاجةً إليه. لم يكن قلماً عادياً؛ كان الرفيق الذي ألجأ إليه حين تضيق بي المسافات، وأحمل إليه ما لا أستطيع قوله لأحد. كنت أريد أن أبوح له بما يثقل قلبي، أن يسمع أنيني حين يخونني الصوت، وأن يحتفظ بأسراري كما اعتاد دائماً.
​طال بحثي عنه حتى أنهكني التعب، فجلست على طرف فراشي القطني العتيق الذي ورثته عن والدي، أستجمع أنفاسي، لعل ذاكرتي ترشدني إلى مكانه. لكن شيئاً آخر كان يطالبني بحقه؛ فقد بدأ الجوع يطرق بابي من الداخل، وأخذت أمعائي تعلن احتجاجها بصوتٍ خافت لا يخطئه أحد.
​ذهبت إلى الثلاجة، تلك العجوز التي تشبه حال البيت؛ تعمل ساعتين ثم تستسلم للصمت ساعات طويلة بسبب انقطاع التيار. فتحت بابها، فاستقبلني فراغها المعتاد. لم أجد سوى ماء وكسرة خبز يابسة فقدت طراوتها منذ يومين.
​وقبل أن أغلق بابها، تذكرت نصف كوب من الشاي الأحمر بقي على الطاولة منذ الأمس. شعرت بفرحة صغيرة لا يعرف قيمتها إلا من جرّب الحاجة. أخذت الكوب، وغمست فيه كسرة الخبز، ثم قلت مبتسماً:
“الحمد لله.. لقد اكتمل الفطور.”
​كان باب البيت مفتوحاً كعادته. لم أعد أرى ضرورة لإغلاقه؛ فمنذ زمن توقفت عن حراسة ما لا أملك. لا شيء في هذا المكان يخشى عليه من اللصوص، سوى ذلك القلم الذي كنت أفتقده.
​عدت أفتش بين الكتب والأوراق وتحت الوسائد القديمة، حتى قاطع وحدتي طرقٌ على الباب. دخل مباشرة ثلاثة من المعارف، أُنسي أسماءهم دائماً: زعيط، ومعيط، ونطاط الحيط.
​رحبت بهم، لكنني كنت أعرف أن زيارتهم ليست عابرة. جلسوا قليلاً، ثم بدأ زعيط الحديث. كان رجلاً يعرف كيف يلمّع كل شيء حتى الأحذية، وربما كان يظن أن “الكورنيش” الذي يصلح لتلميع الجلد يصلح للبشر أيضاً.
​ابتسم وقال:
“يا أخي، أنت كاتب موهوب ونحن نوفر لك غيره.. أقلاماً فاخرة، من أشهر الماركات. ستنسى بعدها أيام التعب، وستعيش مرتاحاً.”
​ظللت صامتاً، فتابع معيط حديثه وهو يهزّ رأسه موافقاً:
“صحيح. لماذا تحمل نفسك كل هذا العناء؟ تخلَّ عن هذا العناد، وسترتاح من الفقر والديون وانتظار الراتب الذي لا يكفي حتى للضروريات. الدنيا فرص، ومن يعرف الطريق يصل.”
​كنت أعرف معيط جيداً؛ رجلاً اعتاد أن يمشي حيث تشير الأصابع، وأن يبدل مواقفه كما يبدل الناس ملابسهم، ما دام في آخر الطريق مكسب أو منصب صغير.
​أما نطاط الحيط فكان يتحرك في مقعده كأنه يبحث عن نافذة جديدة يقفز منها. لم يكن يملك حرفة سوى القفز فوق المواقف، والتحدث في كل شيء، والبحث عن لحظة يظهر فيها أمام الآخرين.
​ضحك وقال:
“يا جماعة، اتركوه. هذا مش وش نعمة ولا يفهم لغة العصر. الناس تكتب اليوم بالشاشات ولوحات المفاتيح، وهو ما زال متعلقاً بقلمه! سيبقى كما هو… لا يتغير.”
​نظرت إلى القلم الذي كنت أبحث عنه، فقد وجدته أخيراً بين صفحات كتاب قديم. أمسكت به، وشعرت كأنني استعدت جزءاً مني.
​قلت لهم بهدوء:
“أنتم لا تفهمون ما أبحث عنه. هذا القلم ليس قطعة تُستبدل بأخرى. إنه الشيء الذي بقي معي حين رحل كثيرون. به كتبت خوفي وأملي، ضعفي وقوتي، أفراحي وأحزاني.”
​”هذا القلم يذكرني بمن أكون. إذا بعته، فلن أبيع حديداً وحبراً، بل سأبيع صوتي.”
​ساد الصمت للحظة.
​تابعت:
“قد أعيش فقيراً، وقد يكون بيتي قديماً، وقد لا أملك ما يملكه غيري، لكنني لا أريد حياةً أمتلك فيها كل شيء وأفقد نفسي. بعض الهدايا تأتي مغلفة بالذهب، لكنها تحمل في داخلها قيداً لا يُرى.”
​لم يرد زعيط ولا معيط. تبادلا نظرة سريعة، ثم نهضا بصمت واتجها نحو الباب.
​أما نطاط الحيط فلم ينتظر حتى النهاية؛ قفز كعادته، وسبق الجميع إلى الشارع وركب سيارته وانطلق، كأنه يبحث عن مكان آخر يصفق له.
​رددت الباب خلفهم، وجلست إلى طاولتي الصغيرة. وضعت القلم أمامي، وفتحت ورقة بيضاء.
​لم أكن أعرف ماذا سأكتب، لكنني كنت متأكداً من شيء واحد:
أن بعض الأشياء لا تُقاس بثمنها… بل بما تبقيه فينا من إنسانية. وبدأت أكتب هذه الحكاية.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!