ليلى … حكاية الألف ليلة (الجزء السابع)/ بقلم:عبدالباري المالكي

لصحيفة آفاق حرة

****************

لاشيء أشد وقعاً على القلب من حيرة تغمره ، ولا أشد وطأة على النفس من وهمٍ ظنّته هي حقيقة ذات يوم ٍ .
إنها خسارة القلب التي لا خسارة بعدها أبداً ، وأنها فشل للنفس بعدما حسبت أنها تعيش أجمل لحظاتها …
(كيف لقلب أن يثقله همّ العشق ؟ ) … كان هذا مايراودني منذ سنين ، أسائل نفسي وأضحك على العشاق ، وأستغرب قصصهم المفجعة …
ليلى وقيس اعجوبة الدهر … كيف لرجل ان يعشق ليلاه حتى الجنون ، وقد كاد يموت ، أ حقاً هناك رجل بهذه العظمة من القلب يعشق فيُجَنّ !؟ …
وربان السفينة ! هذا الرجل المعتوه ، كيف له ان يجوس عرض البحر وطوله بأمواجه المتلاطمة ، وأسراره الغزيرة دون أن يهابه للحظة !؟
أليس ذلك عشقاً ؟ أم أنها مجرد مغامرات رجولية بين البحر والنساء ؟
الرجل … عالم مليء بالوهم ، وحسن الظن والنوايا .
ولذلك فهو عالم لايعيش فيه إلا المساكين من امثالي .
كل تلك … كانت تساؤلات لم اجد لها جواباً يطمئنني ، لذلك لم أكن أؤمن بعشق البحر و لا بالنساء .
مازلت أتذكر ذلك اليوم الذي كنا نمشي فيه انا وليلى على جسر (الصرافية) حين سألتها …
:- ليلى هل تؤمنين بالعشق الإلهي ؟
قالت :- يااااااه ماأجمله !
قلت :- وماذا يعني هذا عندك ؟
قالت :- إن العشق الإلهي هو ان تتحد روحانا سوياً لنرتقي سلّماً الى السماء درجة درجة …
ولشد ما أذهلتني ليلى بجوابها حين سألتها :- ماذا تعنين بذلك …؟
فأجابت :- لا عشقَ ينمو إلا العشق الإلهي ، ولا أحد يحيا فيه إلا الصادقون .
تلك الكلمات ياسادة مازالت ترنّ بأذني كأنها اليوم ، بل كأنها الساعة وهي تهمس في أذني بلطف …
:- أ أخبركَ سراً ياجعفر ؟
:- نعم ياابنة قلبي .
:- العشق جنون ياجعفر .
:- جنون !!!
:- نعم ياجعفر … جنون .

ياالله …ما أجمل كلماتها تلك …
وما أقساها من امرأة عرفت معنى العشق ، فأوجعت ، وبلغت مفهوم الغرام فقتلت .
لقد صدقت هي حين قالت لي ذات يوم :- إن العشق لايقربه إلا السكارى .

فالسكارى وحدهم القادرون على المضيّ بعشق دون ان يعرفوا مخاطر نهايته ، فإن كان الجنون ، فإنه ليس أسوأ حالاً مما هم فيه ، وإن كان سعادة ، فهم الغالبون .
والسكارى وحدهم من يعيشون حياة اللحظة ، ولايبالون باللحظة القادمة ايّاً كانت ، وهم وحدهم الغير آبهين لما مضى من حياتهم ، وغير متوجسين من قادم الأيام .
والسكارى هم من أحتاج إليهم الآن للنصح والمشورة …
فنصيحتهم أولى بالاقتداء بها من غيرهم لأنهم لن يخسروا شيئاً او يضيّعوه أكثر مما هم فيه من الخسران والضياع .

كان كل ذلك يساورني في أفكاري المزدحمة بسبب ليلى ،
وما أدراك َ ما ليلى !
إنها الطريق الى الجنة ، بل هي الجنة نفسها .
لذلك كان لزاماً عليّ أن ابحث عمّن يمنحني نصيحة لما أنا فيه ، وليتني لم أكن في ما أنا فيه .
لذلك كله فقد رحتُ أفتش في الطرقات عن رجل شرب الخمر فأسكرته حد الغشَيان لأطلب مشورته ، وليتني لم أفعل .
لقد وجدت مبتغاي ، رجلاً متوسط العمر ، أخذ منه السكر مأخذه حتى سلبه عقله واتزانه ، وقد اتشح بوشاح اسود على رأسه خشية أن يراه المارة فيعرفوه ، تفوح منه رائحة الخمرة النتنة من ثغره المتيبّس ، يرتدي أسمالاً وكأنه ارتداها منذ ولادته ، ممزقة من بين ركبه وصدره ، حافي القدمين ، كثّ اللحية ، حاجباه هاطلان على عينيه الغائرتين .
اقتربتُ منه ، وألقيتُ عليه التحية …
:- أخي … ماالذي أودى بكَ الى هذه الحالة من الضعف والضلال ؟
:- أ أخبركَ … فلا تشقى ؟
:- أشقى ؟
:- إنه العشق ياأستاذ .
:- العشق !؟
:- نعم … إنه الدرب الذي لايسير فيه إلا الأموات الى قبورهم ، فالعشق رمسهم الأخير ، وبيتهم الطينيّ الذي لايغنيهم من سحائب الدخان ، وهو شجرة الزقوم التي تطعمكَ من كل ضريع ، فمن أراد العشق ياأستاذ فعليه أن يختار ما بين الجنون او الموت ، ولمّا كان كذلك فإني قد اخترتُ الجنون ، لا خشيةً من الموت ، وإنما أملاً بمعشوقي أن يمنحني من قلبه مايعيد لي ذرة من عقلي .
:- يا الله … أي كلام محبطٍ هذا ياأخي !؟
:- ليتكَ تدرك حقيقة ما أقوله لكَ ، فمهما أخبرتكَ عن العشق ، فإنكَ لن تطال معنى ما أرومه في كلامي عنه .

والحق …إنني منذ ذلك الحين الذي لقيتُ فيه ذلك السكران ، فإني أعيش لحظات المهابة من الجنون أكثر من الخوف من الموت ، فما زال صداه يرنّ في أذني …
(العشق طلّسم لايفكه إلا المجانين ) .

وها أنا ذا … أسأل نفسيَ الآن …
:- هل جننتُ أنا ؟
وليتني أجد الإجابة عندي او عند ليلى ، فلطالما هي أخبرتني بشيء لم أعيِهِ من قبل ، ولم أتزود من الحياة ما يمكّنني من الفوز عليه …
:- ( العشق طريق لا يسلكه إلا المجانين ياجعفر ) .

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
casibomcasibom girişcasibom resmi girişdeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusucasino sitelerideneme bonusu veren sitelerdeneme bonusu veren sitelercasino siteleribahis siteleribonus veren sitelermarsbahismarsbahis girişmarsbahis güncel girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişcasibomcasibom girişmarsbahismarsbahis girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişegebetegebet girişegebetegebet girişegebetegebet girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahiscasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişbetparkbetpark girişbetparkbetpark girişbetparkbetpark girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis giriş